البث المباشر الراديو 9090
جمال رائف
لم تكن زيارة نانسى بيلوسى لتايوان بالمفاجأة لمن يتابع تحركات الإدارة الأمريكية منذ دخول بايدن البيت الأبيض رئيسا للوليات المتحدة الأمريكية، حيث قرر الرئيس الأمريكى الاستدارة ناحية الشرق الأوسط لتنفيذ الخطط الأمريكية نحو تعزيز النفوذ فهذا النطاق الجغرافى والذى سبقه فيها ترامب عبر الصدام التجارى مع الصين، ولكن يبدو أن بايدن أكثر حدة فيما يتعلق بتنفيذ تلك الخطة.

الإدارة الأمريكية تحت قيادة الحزب الديمقراطى مهدت الطريق نحو التواجد فى الشرق الأقصى وبحر الصين الجنوبى عبر عدة أدوات، بداية كانت أولى الجولات الخارجية لكل من وزير الخارجية ووزير الدفاع إلى اليابان وكوريا الجنوبية والهند، أيضا نائبة الرئيس الأمريكى كاملا هاريس قامت بجولة آسياوية مماثلة تبعها جولة فى نفس النطاق الجغرافى للرئيس الأمريكى جو بايدن شملت كوريا الجنوبية واليابان، وهنا تظهر نقاط الارتكاز الأمريكى فى شرق آسيا متمثلة فى الحلفاء الاستراتيجيين والذين ترتكز عليهم واشنطن فى دعم تعزيز نفوذها فى هذا النطاق الجغرافى.

بالتوازى عملت الإدارة الأمريكية على إيجاد وتنشيط تحالفات إقليمية تؤمن مصالحها الأمنية والاقتصادية بالمحيط الهندى والهادئ، وهذا عبر التحالف الرباعى للحوار الأمنى "كواد" والذى يضم: أمريكا، اليابان، أستراليا والهند، كما أوجدت الولايات المتحدة أيضا شراكة أمنية أخرى تحت مسمى "أوكوس" وتشمل: أمريكا، بريطانيا واستراليا، أما على صعيد الاقتصاد وبجانب تعزيز الشركات الاقتصادية مع الدول الشركاء فى تلك التكتلات قام الرئيس الأمريكى بايدن خلال جولته الآسيوية الأخيرة بتأسيس الاتفاق التجارى الأمريكى الآسيوى الذى يضم 13 دولة آسيوية.

لتأتى زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكى نانسى بيلوسى إلى تايوان لتكمل النهج الأمريكى المتعلق بتعزيز النفوذ الأمريكى فى منطقة شرق آسيا وبحر الصين الجنوبى، فلا يمكن فصل زيارة بيلوسى عن التحركات الأمريكية الأخرى المباشرة وغير المباشرة فى هذا الإطار، ولكنها أتت كخطوة متأخرة بعد ترتيب العلاقات الأمريكية الآسيوية لحساسية تلك النقطة، والتى كانت تستوجب تحصين دبلوماسى وأمنى للتحرك الأمريكى استطاعت الولايات المتحدة تحقيقه خلال الفترة الماضية، وهذا لا يعنى خضوع الصين أمام تنامى النفوذ الأمريكى فى المنطقة والذى يطرق أبوابها عبر تايوان، بل أن بكين قد تبدو تحركاتها بطيئة ولكنها ستكون موجعة للجانب الأمريكى خاصة على الصعيد الاقتصادى، وهذا ما دفع البيت الأبيض للتصريح أثناء زيارة بيلوسى أن الولايات المتحدة لا تدعم استقلال تايوان، فالإدارة الأمريكية تدرك أن المساس بمبدأ الصين الواحدة هو النقطة الفاصلة والتى ستشعل فتيل الأزمة لتنفجر الأوضاع بالشرق الأقصى.

السؤال الذى يأتى للأذهان لماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية تعزيز نفوذها بالشرق الأقصى وبحر الصين الجنوبى، ولماذا تضع العالم كله على حافة الانفجار من أجل هذا الهدف؟

باختصار شديد هناك أهداف سياسية وأخرى اقتصادية وأمنية، على الصعيد السياسى تريد واشنطن تحطيم أحلام الدول الكبرى الأخرى فيما يعرف بالعالم متعدد الأقطاب والبقاء على عالم القطب الواحد "الأمريكى" وهذا عبر إشغال أهم تلك الأقطاب وهم الصينى والروسى فى قضايا تهدد أمنهم القومى ما يدفع بهم لتحديد أوليات عملهم بما يتوافق مع الرغبة الأمريكية، أما السبب الاقتصادى فهو تحجيم القوى الاقتصادية لروسيا والصين تحديدا بعد أن بات دورهم فى الاقتصاد العالمى يزاحم الدور الأمريكى بل تكاد تكون الصين تسيطر نوعا ما على الاستثمارات الأمريكية العملاقة، وهذا ما يبرر اختلاف أدوات الديمقراطيين والجمهوريين للدخول فى هذه المعركة حيث كانت إدارة ترامب الجمهورية تحركاتها اقتصادية فى المقام الأول، بينما تحركت إدارة بايدن الديمقراطية سياسيًا وأمنيًا، وعلى الصعيد الأمنى أيضا تجد الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها مصلحة حيوية فيما يتعلق بالتواجد بمنطقة بحر الصين الجنوبى سواء عبر التواجد المباشر أو عبر الحلفاء فى هذا الإقليم.

حوار عالمى.. هذا ما يحتاجه المجتمع الدولى لوقف الصراع والاتفاق على شكل العالم الجديد الذى يقبل بتعددية الأقطاب مع تفاوت القوى والمساحات المتاحة لكل قطب من أقطاب العالم، أما الصدام وفرض الأمر الواقع بناء على ما تم تأسيسه بعد الحرب الباردة أعتقد أنه لم يعد مناسبا فى وقت تغيرت خلاله قوى معظم الدول الكبرى، فالجانب الأمريكى عليه أن يحترم قوة وقدرات المنافس، لنمضى نحو عالم متوازن القوى، خاصة وأن البشرية أصبحت من النضج للمرور نحو الحوار قبل الصدام وليس العكس كما هو معتاد قبل كل تحول فى شكل المجتمع الدولى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز