جمال رائف
فلم يفلح من قبل غزو العقول بالفكر المتطرف، ولن يفلح اليوم الضغط الاقتصادى فى أن ننحاز عن مسار بناء وتنمية الوطن، فإذا كان الربط على البطون فى ظل أزمة اقتصادية عالمية سبيلا للوصول لحلم الجمهورية الجديدة، فأهلا بالتحدى فنحن له قاهرون.
مرت الدولة المصرية عبر العقود بالعديد من التحديات ما بين استعمار، واحتلال، وعدوان، وثورات، وتصدٍ للتطرف والإخوان ومحاربة الإرهاب، وصولا لمجابهة جائحة وغيرها من الصعاب التى ضعفت ووهنت أمام قدرة الشعب المصرى العظيم.
تاريخ حافل بالبطولات سطرها المواطن المصرى، فى أى موقع كان، وقدر الوطن أن يواجهه تحديات مستجدة كلما استجدت أحلامه وعظمت تطلعاته للمضى بدولته نحو مصاف الدول الصاعدة والمتقدمة.
منذ ثورة 23 يوليو عام 1952 بالتحديد سنجد أن كل محاولة نهوض للدولة المصرية تزامن معها تحدى صعب يحاول إضعاف قدرة الوطن على النهوض والوصول إلى المبتغى، وفى غالب الأمر كانت تلك التحديات ظاهرة متمثلة فى عدوان على الأرض أو إرهاب ينال من الاستقرار.
مع مرور الوقت تطورت التحديات لتغزو العقول قبل الأرض فى محاولة لإفشال الأوطان من الداخل، وهو ما خلف تفتيت وانهيار لدول فى الإقليم، بينما كان الوعى المصر صامدا أمام هذا النوع من التحدى وبرز هذا إبان ثورة 30 يونيو حينما رفض الشعب صراحتا التطرف وكتب نهاية جماعة الإخوان الإرهابية.
ومع مضى الوطن نحو تحقيق حلم جمهورية جديدة استمرت التحديات سواء على صعيد مواجهة الإرهاب أو الإصلاح الاقتصادى أو التخلص من إرث الماضى الثقيل الذى خلف عشوائيات وهشاشة فى البنية التحتية وغيرها من آثار سلبية الجميع يدركها.
واستمر الوطن يقاوم حتى فى ظل جائحة كورونا التى حبست الأنفاس حول العالم بينما ظلت مصر تنبض بالعمل والحياة إدراكا بأهمية السباق مع الوقت للوصول إلى تحقيق تطلعات وأحلام الشعب من رخاء وتنمية وازدهار، والتى لا تتحقق سوى بالعمل الجاد والمستمر، وهنا إدراك ووعى المواطن أيضا كان كلمة السر فى تخطى عقبة الجائحة واستمرار عجلة الإنتاج والتنمية.
تطور التحدى الراهن من مخاطبة العقول إلى مخاطبة البطون، حيث إن الأمن الغذائى العالمى يتأثر سلبيا نتاج الحرب الروسية الأوكرانية التى تشمل دولتين يشكلا سلة الحبوب والغلال، وأيضا الزيوت للعالم، هذا بجانب الوضع الروسى المؤثر فى مجال الطاقة والغاز، والذى أحدث خللا فى أمن الطاقة انعكس باضرار بالغة على الأمن الغذائى الذى كان يشهد بالأساس تدهورا نتاج تبعات الجائحة الاقتصادية والتغيرات المناخية ما رفع عدد الجوعى فى العام إلى ما يقرب من مليار نسمة.
أزمات عالمية نتاج صراع دولى بين أقطاب العالم الكبرى فى محاولة لتشكيل عالم جديد متعدد القطبية، بينما من يدفع ثمن تلك الطموحات الفكرية للدول العظمى هى بطون المواطن فى الدول النامية بالتحديد.
لكن مع تصاعد وتيرة الصراع وخروجه عن السيطرة باتت تلم الآثار الاقتصادية الصعبة خاصة على صعيد الأمن الغذائى بمواطنى تلك الدول الكبرى والمتقدمة، ليصبح الأمن الغذائى العالمى فى خطر حقيقى لن ينجو منه سوى الدول القادرة على مواصلة العمل والإنتاج وتخفيف تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية عليها وهو الأمر الذى اتخذت فيه مصر مسارات استباقية ندرك قيمتها الآن سواء على صعيد مشروعات الأمن الغذائى أو الطاقة والبنية التحتية.
بالتالى لدينا من الإمكانات اللوجستية والتنموية ما يمكنا من عبور تحدى الأزمة الاقتصادية العالمية، ولكن يجب أن لا يلهينا تحدى البطون والبحث عن رفاهية الغذاء عن استغلال ما لدينا من إمكانيات تتيح لنا صناعة منجز تنموى حقيقى حتى عبر تلك الأزمة.
الدليل على هذا هو حجم صادرات مصر الزراعية التى وصلت فى ظل أزمة غذاء عالمية لأرقام غير مسبوقة تخطت 3 مليارات دولار، ما يعطى دلالة أننا لدينا الإمكانيات الكافية التى تمكنا من عبور الأزمة ولكن ربما يحتاج الأمر لبعض الوقت، وهنا يجب أن يظل الوعى المصرى يقظا وقادرا على قهر كافة التحديات.
بشكل عام علينا أن نطمئن، فالعمل المستمر منذ 8 سنوات مضت، رغم التحديات والصعاب التقلدية والمستجدة؛ يؤكد أن هذا الوطن لا يقهر، وأنه قادر على مواصلة الطريق نحو الجمهورية الجديدة، فهو يمتلك شعبا يتجلى إيمانه بوطنه وقت الأزمات، فقط علينا أن نعمل ونعمل، وإن اشتدت الصعاب؛ فالعمل نجاة للأوطان.