عائشة غنيمى
وتأتى عملية توطين التنمية المستدامة ليس على مستوى المحافظات فحسب، بل تشمل المراكز والقرى داخل كل محافظة من محافظات جمهورية مصر العربية، مع الأخذ فى الاعتبار معايير العدالة المكانية باستهداف القضاء على الفقر متعدد الأبعاد.
الأمر الذى يضمن تمتع كل مواطن مصرى ومواطنة مصرية بكافة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ترسيخا لحقوق الإنسان، إذ ترتبط أهداف التنمية المستدامة وحقوق الإنسان ارتباطا وثيقا بتحقيق جودة معيشة عالية والحفاظ عليها لكل مواطن ومواطنة، دون ترك أى إنسان خلف الركب.
حقوق الإنسان ليست حقوقا مدنية وسياسية فحسب، بل هى أيضًا حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية، إن الرأى الدولى واللاعبين السياسيين الرئيسيين على خريطة السياسية الدولية والصحافة الدولية الأخرى والمنظمات غير الحكومية يضع دائمًا جميع حقوق الإنسان فى دائرة واحدة محدودة من الحقوق السياسية، من أجل استخدمها كذريعة للتدخل فى الشؤون الداخلية للدول.
ووفقاً للعهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تشمل أهداف حقوق الإنسان التى يجب تعزيزها وحمايتها ما يلى: الحق فى العمل فى ظروف عادلة ومواتية؛ الحق فى الحماية الاجتماعية وفى مستوى معيشى لائق وفى أعلى مستويات يمكن بلوغها من الرفاه البدنى والعقلى؛ الحق فى التعليم والتمتع بفوائد الحرية الثقافية والتقدم العلمى.
إن المعنى الحقيقى لحقوق الإنسان هو طبيعة الحياة التى تمكن كل مواطن من التمتع وممارسة جميع حقوق الإنسان بما فى ذلك الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وتوفير مستويات معيشية ذات جودة عالية، والقضاء على الفقر متعدد الأبعاد، وتقديم خدمات عامة فعالة وكافية، والتى من شأنها أن تساعد فى خلق جيل مثقف ومواطنين قادرين على ممارسة الديمقراطية الإيجابية والصحية، وتطبيق سيادة القانون، والانخراط الإيجابى فى صنع سياسات متطورة لبلد أكثر ازدهارًا.
وفى هذا الصدد، بذلت الدولة المصرية جهدا دؤوبا ذو طبيعة تكاملية حيث تطبيق نهج تشاركى فى جميع جوانب عمليات التنمية الوطنية لتعزيز جميع حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمعنى الشامل، وقد نجح هذا النهج التشاركى فى دمج جميع حقوق الإنسان فى عملية التنمية الوطنية الشاملة.
يعكس إطلاق الاستراتيجية الوطنية الأولى لحقوق الإنسان برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى فى سبتمبر 2021 هذه الجهود التى بذلت على المستويات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلى جانب تسليط الضوء على نتائج النهج التشاركى الذى نتج عنه تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وساهمت المبادرات الرئاسية والمشروعات القومية المُنفذة منذ عام 2014 فى أثر إيجابى لتسريع المسار نحو تعزيز حقوق الإنسان، حيث حققت هذه المبادرات والمشروعات الكبرى والتوزيع الجغرافى العادل لفوائد التنمية تطورات فى مجالات البنية التحتية وتوطين الصناعات والطاقة، وتعزيز الأمن المائى والغذائى، وبناء مجتمعات حضرية خضراء حديثة، الأمر الذى يسهم فى الحفاظ على حياة كريمة، وتحسين ترتيب مصر فى تقرير التنمية البشرية 2021/2022 لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى، بـ19 مرتبة لتحتل المرتبة 97، مقارنة بتقرير 2020/2021، الذى يؤكد أن مصر لا تزال من بين الدول التى ترتفع فيها نسبة التنمية البشرية.
هذا إلى جانب انخفاض معدل البطالة إلى أدنى مستوى له منذ ثلاثين عاماً، وتعزيز معايير العمل اللائق من خلال بدء عمل اللجنة التوجيهية للاستراتيجية الوطنية للتشغيل، ودعم المساواة بين الجنسين فى العمل من خلال الاستهداف. تراجع معدل البطالة بين النساء فى مصر بنسبة 2٪ سنويا.
والجدير بالذكر، أن دمج الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان فى خطة التنمية الاجتماعية والاقتصادية للسنة المالية 2022/2023 تعد خطوة رائدة، من خلال ربط مشاريع ومبادرات التنمية بركائز حقوق الإنسان، ولا سيما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحقوق المرأة والطفل وذوى الإعاقة والشباب وكبار السن.
بالإضافة إلى الاستراتيجيات الوطنية المتعددة والمشاريع التنموية التى تتماشى مع الخطة الوطنية لحقوق الإنسان لتحقيق النتائج المستهدفة، والتى تعزز حقوق الإنسان للجميع بمعنى شامل، بما فى ذلك البرنامج الوطنى للإصلاحات الهيكلية (NSRP) 2021-2025، وتغير المناخ الوطنى. الاستراتيجية (NCCS) 2050، والاستراتيجية الوطنية لإصلاح وتطوير التعليم الفنى (2022-2026)، والاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية (2022-2027)، والخطة الوطنية لتعزيز المساواة بين الجنسين فى العمل، والمشروع القومى لتنمية الأسرة المصرية، والاستراتيجية الوطنية الثالثة لمكافحة ومنع الاتجار بالبشر (2022-2026).
ومن بين معايير نجاح سياسات القيادة السياسية لتعزير وترسيخ حقوق الإنسان، هو عدم الاقتصار فقط على اتباع النهج التشاركى، بل أيضا نهج إدارة المخاطر، المدعوم بتدابير استباقية ووقائية بالإضافة إلى سياسات إشراك الرأى العام فى صنع السياسات وعملية التنمية المستدامة من خلال خلق حوار مفتوح ومتواصل مع المواطنين، والتى من شأنها أن تساعد على تسريع عملية التنمية المستدامة الشاملة والعادلة، الأمر الذى يرسخ ويحفاظ على حقوق الإنسان للجميع.
هناك حاجة لتوسيع حملات التثقيف والتوعية من قبل المنظمات غير الحكومية والأوساط الأكاديمية ومراكز الفكر والجامعات والأحزاب السياسية، وذلك من أجل زيادة الوعى بأهمية التنمية فى تعزيز حقوق الإنسان للجميع، وتصحيح الصورة والأيديولوجيات الخاطئة التى يحاول المتطرفون تجذيرها فى المجتمعات.
هذا الوعى أمر بالغ الأهمية لإلقاء الضوء على المؤشرات الصحيحة والجهود التنموية من أجل تقييم عادل لقياس تمتع كل مواطن ومواطنة بجميع حقوق الإنسان المنصوص عليها فى الدستور المصرى والاتفاقيات الدولية، وكذلك الاتفاقيات التى تلتزم بها الدولة المصرية.
أخيرًا وليس آخرًا، لا يمكن تعزيز حقوق الإنسان والحفاظ عليها دون تحقيق التنمية المستدامة اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وبيئيًا وكذلك سياسيًا.