حسام الدين الأمير
وقد كانت بداية فكرة الاحتفال باليوم العالمى للمسرح عام 1961 أثناء المؤتمر العالمى التاسع للمعھد الدولى للمسرح بمدينة "فیینا" فى نفس العام وذلك باقتراح من رئيس المعھد وقتها، حيث كلَّف "المركز الفنلندى" التابع للمعھد فى العام الذى تلاه 1962 بتحديد یومًا عالمیًا للمسرح وتم اختيار يوم 27 مارس من كل عام للاحتفال بهذه المناسبة، وتصادف أنَّ يكون هذا اليوم ھو تاریخ افتتاح مسرح الأمم عام 1962 فى موسم المسرح بمدينة باريس الفرنسیة، والذى كان يحمل اسم "مسرح سارة برنار" حیث كانت التقالید الثقافیة الخاصة بالمھرجان المسرحى تبدأ فى يوم 27 مارس بتقديم عروض مسرحية لمختلف المسارح العالمية والذى أصبح تقلیداً عالمیاً للاحتفال بالمسرح.
تلك المقدمة فى المقال بمثابة افتتاحية عامة لموضوع خاص وهو المسرح المصرى ودوره فى الحياة الثقافية ليس هذا فحسب بل أن العالم عندما فكر أن يخصص يوما عالميا لأبو الفنون وهو المسرح كانت مصر قد سبقت العالم بحوالى مائة عام فى اهتمامها بهذا الفن وتعريف العالم به، حيث عرفت مصر فن المسرح بصورته العصرية على يد الفنان يعقوب صنوع الشهير بأبى نظارة سنة 1876م والذى كان يجيد اللغة الإيطالية والفرنسية، وقام بترجمة كتير من أعمال الأدب العالمى وتقديمها عن طريق فرق مسرحية من الشام بتشجيع من الخديوى إسماعيل الذى كان سعيدا بوجود فن مسرحى فى مصر على غرار بلاد أوروبا المتحضرة بل أنه حضر بعض مسرحياته واعجب بها ولقبه بموليير مصر، وكان يعقوب صنوع صاحب إنشاء أول مسرح عربى فى مصر حيث قدم على خشبته ما يقرب حوالى ٣٠ عرضًا مسرحيًا تتراوح بين المشهد الواحد والتراجيديا عن الروايات المختلفة المترجمة
وبالعودة إلى الوراء كثيرًا وكثيرًا نكتشف أن نابليون بونابرت بعد دخوله مصر بحملته الفرنسية سنة 1798، أنشأ مسرح لجنوده للتسلية وتكونت وقتها فرقة "الكوميدى فرانسيز" الكوميدية، وكانت تقدم فنونها المسرحية باللغة الفرنسية، وبعد هذا التاريخ بمائة عام وأكثر وتحديدا فى حفل افتتاح قناة السويس سنة 1869م أنشأ الخديوى إسماعيل دار الأوبرا فى مكانها القديم بميدان العتبة، لتقديم عروض أوبرالية أمام ملوك وأمراء أوروبا الحاضرين فى الاحتفال، وكانت هذه الحقبة وما بعدها بداية التعرف على المسرح الغنائى.
وبالعودة إلى العصر الفرعونى نجد كهنة معبد أمون فى مدينة طيبة فى مصر القديمة قد عرفوا فن تشخيص الروايات والقصص الأدبية بصورة مدعومة بالشعر والموسيقى وكانوا يقدمون هذه العروض أمام جمهور الصفوة من الأمراء والنبلاء والحكام، وفى هذه الفترة أيضاً تم تقديم فنون مسرحية وجدناها فى النقوش التى ظهرت بمحيط المقابر الفرعونية، وفى العصر اليونانى والرومانى ظهر المسرح الأغريقى بصورته التقليدية لكن فى مدينة الأسكندرية.
وفى بدايات القرن العشرين انتشر الفن المسرحى الغنائى واشتهر به الفنان "جورج أبيض" بعد عودته من فرنسا وحمل على عاتقه فكرة تأسيس المسرح الدرامى، وأصبحت فرقته بمثابة المدرسة التى تخرج منها عدد كبير من النجوم والرواد للمسرح المصرى والعربى طوال تاريخها، ثم تولى الراية من بعده سلامة حجازى وسيد درويش باعتبارهم رواد المسرح المصرى الغنائى ويدخل فى السباق يوسف بك وهبى عميد المسرح المصرى والعربى، ونجيب الريحانى رائد أسلوب كوميديا الموقف فى المسرح المصرى و زعيم المسرح الفكاهى وعلى الكسار وغيرهم.
وفى الخمسينات والستينات ظهر جيل جديد من كتاب ومخرجى المسرح يختلفون عمن سبقوهم ليبدأو بالفعل مرحلة جادة فى تاريخ المسرح المصرى الحديث كما أنشأ الدكتور ثروت عكاشة عام 1960 المؤسسة العامة لفنون المسرح والموسيقى ومسرح القاهرة للعرائس الذى قدم أول عرض له فى مارس 1959، وقد أدى نجاح عروض الصوت والضوء فى الهرم عام 1960 إلى إقامة مسرح أبو الهول المكشوف وبعدها عرفت مصر المسرح الشعرى من خلال لغة القصيدة الحديثة على يد الشاعر صلاح عبد الصبور، وفى السبعينيات قدم المسرح القومى عام 1972 عدد من المسرحيات لتوفيق الحكيم ويوسف إدريس و ألفريد فرج، لننتقل بعد ذلك إلى فترة الثمانينات والتسعينات وظهور وانتشار المسرح الخاص بكل نجومه وكتابه لنصل إلى مرحلة مسرح الشباب بكل الاعمال التى تم تقديمها.
وخلال السنوات الثمانى السابقة نشهد اهتمام خاص من القيادة السياسية بمختلف الفنون وأشكالها باعتبارها واحدة من أدوات القوة الناعمة المصرية، حيث ثمن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى مشروع الفنان أشرف عبدالباقى "مسرح مصر" والذى اكتشف فيه العديد من نجوم الكوميديا خلال السنوات الماضية وطالبه بتنفيذ مشروع مماثل لكن بابداع الأشخاص من ذوى الإعاقة، وشاهدنا مسرح شباب العالم ضمن فعاليات منتدى شباب العالم ليكون محورا يجمع بين مختلف الفنون والثقافات وألوان الإبداع ومنصة للموهوبين لاستعراض مواهبهم وإبداعاتهم أمام شباب العالم، وقد حضر الرئيس عبد الفتاح السيسى والسيدة قرينته عددًا من العروض المسرحية على هذا المسرح منها عرض مسرحية "المحاكمة"، وفى الفترة من 10 حتى 16 يناير 2019 استضافت مصر تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى الدورة الحادية عشر لمهرجان المسرح العربى، وغيرها وغيرها من الفعاليات والأحداث التى تؤكد قيمة فن المسرح فى مصر.
ومن خلال هذا السرد البسيط نجد أن الدولة المصرية كما كانت وكعادتها سباقة فى كافة العلوم والتطبيقات والتقنيات التى بدأت من مصر وانطلقت إلى كل العالم نجد أن فكرة المسرح بكل أشكاله وفنونه بدأت فى مصر قبل مئات السنوات من تخصيص يوم عالمى للاحتفال بـ أبو الفنون "المسرح".