جمال رائف
فما بين القضية الفلسطينية شرقا والأزمة الليبية غربا تفجرت الأوضاع جنوبا بعد تصاعد الأحداث فى السودان، وتظل القاهرة صامدة محافظة على ثوابت سياستها الخارجية الرشيدة التى جعلت مصر ركيزة الاستقرار الإقليمى، فبات المجتمع الدولى يستند عليها كداعم أساسى لمسارات التسوية السياسية للأزمات، فرغم تداخل الملفات الإقليمية وتشابكها إلا أن القاهرة استطاعت أن تصبح الشريك الآمن للجميع.
تعمل الدبلوماسية المصرية بالتوازى على خطوط النار الإقليمية سعيا لإخماد تلك الحرائق التى تكاد تطال كل أركان الإقليم، بل ربطت القاهرة بين بين استقرار أمنها القومى والأمن القومى العربى والاستقرار الإفريقى، وأيضا الشرق أوسطى بشكل عام.
قدر مصر أن تمتد أبعاد أمنها القومى بحكم موقعها الجوسياسى إلى أكثر من اتجاه، ورغم ما تفرضه الظروف الدولية من تحديات ملحة ومهددات اقتصادية تطال كافة دول العالم ما يجعل بعض أطراف المجتمع الدولى تنصرف عن دورها فى إخماد الصراعات الإقليمية، إلا أن مصر لا تمتلك تلك الرفاهية فهى تواجه التحديات الداخلية الناتجة عن تلك الأزمات الدولية، وأيضا تساهم بشكل فعال ومكثف فى جهود تخفيض وتيرة الصراع داخل المنطقة العربية والإفريقية.
ومع تفجر الأوضاع فى السودان تزايدت تلك الأعباء الملقاة على كاهل الدبلوماسية المصرية التى ما كادت أن تنتهى من إنجاز مهم على صعيد الأزمة السورية مع الشركاء العرب لتجد حدودها الجنوبية تنذر بخطر قادم نتاج تفجر الأوضاع السودانية.
ورغم هذا لم تتهاون الإرادة السياسية المصرية عن الاستمرار فى دورها، بل ضاعفت الجهود لتصبح الدبلوماسية المصرية تتحرك على خطوط النار فى المحيط الإقليمى بالتوازى سعيا لإخماد الحرائق قبل أن تهدد الجدران المصرية.
ممارسة القاهرة لدورها فى تعزيز الاستقرار الإقليمى والدولى لم ليكن يتبلور بهذه المصداقية والفاعلية التى نشهدها اليوم إلا عبر ثوابت راسخة بالعقيدة الدبلوماسية المصرية أكدت عليها القيادة السياسية المصرية فى المحافل الإقليمية والدولية، فكان ولا يزال حديث الرئيس عبد الفتاح السيسى عن ثوابت السياسية الخارجية المصرية التى تعمل بشرف يمثل منهج عمل ينأى بمصر عن الدخول فى أى مغامرات غير محسوبة.
تلك الثوابت المصرية التى تعتمد على دعم مؤسسات الدول الوطنية وإيجاد مسارات سياسية لتسوية الأزمات وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول، وأيضا العمل من خلال دبلوماسية الأعمار والتنمية لتعزيز الاستقرار الإقليمى وغيرها من مفردات العمل الدبلوماسى المصرى التى تحافظ عليها مصر رغم اشتداد الصراع ودخوله فى منعطفات صعبة للغاية، ما يجعل أيضا القاهرة اليوم محور اتصال مع كافة الشركاء الدوليين والإقليميين للتباحث حول سبل دعم مسارات التسويات السياسية لمختلف القضايا الإقليمية.
العالم يتشكل من جديد والمخاض الذى يسبق تلك الولادة يشكل أصعب مراحل الاهتزاز الدولى التى إذا استجابت له أى من الدول سقطت بلا رجعة لتتشكل خريطة العالم الجديد من دونها، لهذا تحافظ مصر على ثباتها الداخلى وتوازنها الدولى لتعبر إلى العالم الجديد بسلام.