حسام الدين الأمير
وقد ذكر السفير البريطانى فى مصر هذه الجملة "مصر رواية لا تنتهى" تعبيرًا عن اعتزازه بالحضارة المصرية وذلك تزامنًا مع الاحتفال بمئوية اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، من خلال الاحتفالية التى نظمتها السفارة البريطانية بالقاهرة منذ يومين وتحديدًا يوم 22 مايو الجارى وعلى هامشها تم افتتاح معرض "الكشف عن المحفوظات"، وأكد السفير البريطانى خلال الاحتفالية إنه جرى اختيار هذا التاريخ 22 مايو لأنه يوافق اليوم الذى وصلت فيه الصناديق الأولى التى تحوى قطعًا أثرية من المقبرة إلى المتحف المصرى بميدان التحرير منذ 100 عام وتحديدا يوم 22 مايـو 1923.
وبالعودة إلى التاريخ نجد أن مقبرة الملك الذهبى توت عنخ آمون جرى اكتشافها فى 4 نوفمبر 1922، وتعتبر أهم مقبرة فى تاريخ الحضارة المصرية القديمة واكتشفها عالم الآثار البريطانى "هوارد كارتر" عندما كان يقوم بحفريات عند مدخل النفق المؤدى إلى قبر الملك رمسيس السادس فى وادى الملوك، ولاحظ وجود قبو كبير واستمر بالتنقيب الدقيق إلى أن دخل إلى الغرفة التى تضم ضريح "توت عنخ أمون"، وهو الأمر الذى تعتز به بريطانيا بأن أحد علماء الآثار البريطانيين هو من له الفضل فى اكتشاف أهم مقبرة فى التاريخ.
وبقراءة سريعة فى التاريخ كان "توت عنخ أمون" فى عمر التاسعة عندما أصبح فرعون مصر واسمه باللغة المصرية القديمة تعنى "الصورة الحية للإله أمون" كبير الآلهة المصرية القديمة.
وعاش توت عنخ آمون فى فترة انتقالية فى تاريخ مصر القديمة حيث أتى بعد أخناتون الذى حاول توحيد آلهة مصر القديمة فى شكل الإله الواحد الأحد، وجرى فى عهده العودة إلى عبادة آلهة مصر القديمة المتعددة.
والملك توت عنخ آمون هو ابن الملك أخناتون "أمنحتب الرابع"، وهو ما أعلنه المجلس الأعلى للآثار المصرية فى أبريل 2010 أنه بناء على اختبارات الحمض النووى تبين أن توت عنخ آمون هو ابن الملك أخناتون.
والملك توت عنخ آمون كان قد أصبح ملك مصر وهو طفل بعد وفاة أخيه سمنخ كارع، وقد تزوج من عنخ إسن أمون، وتوفى توت عنخ آمون فى ظروف غامضة ومجهولة ليحكم بعده وزيره السابق آى والذى تزوج من عنخ إسن أمون أرملة توت عنخ آمون.
وبالعودة إلى كلمة "مصر رواية لا تنتهى" والتى جعلتها عنوانا للمقال ففى الحقيقة أنَّ مصر رواية وأسطورة وسيناريو وكل ما يمكن أن يقال فى ماضيها وحاضرها وتاريخها، فالقاهرة وحدها وهى العاصمة المصرية الأم لقبها "مدينة الألف مئذنة"، إذ عرفت على مر العصور المختلفة بكثرة مساجدها ومآذنها.
وتاريخ مصر هو تاريخ الحضارة الإنسانية، وحضارتها سبقت حضارات شعوب العالم، والدولة المصرية هى أول دولة فى العالم القديم عرفت مبادئ الكتابة، وهى أول دولة فى العالم لها تاريخ مكتوب، ليس هذا فحسب بل هى ملجأ الأنبياء والرسل فهى الدولة التى جاء إليها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وتزوج من السيدة هاجر، وأتى إليها يوسف عليه السلام وأصبح فيها وزيرا وتبعه إليها أبوه يعقوب، وعلى أرضها دار حوار التجلى بين المولى عز وجل وسيدنا موسى عليه السلام، وإليها لجأت السيدة مريم العذراء والسيد المسيح طفلًا ويوسف النجار وقاموا برحلتهم التاريخية المباركة "مسارالعائلة المقدسة" فهى وبحق ملتقى الأديان السماوية والحضارات الفرعونية والإغريقية والرومانية والقبطية والإسلامية، وغيرها من العصور الفاطمية والأموية والعباسية والعشرات والعشرات من الحضارات والعصور.
ومصر هى أقدم إمبراطورية عسكرية فى التاريخ حيث تم إنشاء جيش قوى لـ "إمبراطوريتها" التى امتدت من نهر الفرات شرقاً إلى الشلال الرابع على نهر النيل جنوبًا وأصبحت أكبر قوة عظمى فى المنطقة، وحاز ملوكها على عدد من الألقاب فكان أحمس ملقبا بـ"بطل التحرير" و أمنحوتب الأول باسم "العادل" وقد حصل على هذا اللقب بسبب إصداره قانونا بمنع السخرة، وتحتمس الأول كان لقبه "المحارب" ووتحتمس الثانى لقبه "المتأنق" وتحتمس الثالث لقبه "الإمبراطور" فهو صاحب العبقرية العسكرية الفذة وأول فاتح عظيم فى تاريخ العالم، و تحتمس الرابع لقبه "الدبلوماسى" حيث كان أول من اهتم بتدوين وتسجيل المعاهدات الدولية، وأمنحوتب الثالث كان أغنى ملك فى العالم القديم حيث فتح المدارس وأطلق عليها "بيوت الحياة" لنشر التعليم والفنون التشكيلية والتطبيقية، وإخناتون لقبه "أول الموحدين" والملكة تى لقبها "بنت الشعب" وهناك لقب "الملكة العظيمة" والذى لقبت به وحازت عليه الملكة حتشبسوت التى حكمت مصر قرابة عشرين عاما، ومحمد على، أطلقوا عليه "مؤسس مصر الحديثة".
وفى مصر نشأ علم المصريات كعلم أكاديمى يدرس فى كل جامعات العالم، وأصبح من أهم علوم الدراسات الإنسانية فى جامعات العالم، وعلى أرض مصر تم اكتشاف حجر رشيد وبسببه تم الكشف عن أسرار النصوص المكتوبة عليه والرموز.
وتعتبر مصر واحدة من أبرز نقاط الجذب السياحى بين دول العالم، ويعتبر المتحف المصرى الكبير فيها والمعد للافتتاح قريبا أعظم مشروع ثقافى وأثرى وفنى ومتحفى فى العالم أجمع.
وإذا كنت فى بداية مقالى قد استعرت كلمة السفير البريطانى "مصر رواية لا تنتهى" فلابد أن أختم بما قاله الأديب العظيم الكبير نجيب محفوظ "مصر ليست مجرد وطن بحدود ولكنها تاريخ الإنسانية كله " وهى كلمة فى رأيى مدلولها عميق ودلالتها أشمل، هذا بخلاف ما قاله "عمنا" الشاعر الكبير صلاح جاهين ملخصا مصر بعبارة أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء وذلك فى قصيدة "على اسم مصر" والتى قال فيها "على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء .. أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء".