د.رانيا أبو الخير
صحيح أن حجم تعاونهما لم يكن فى البداية على مستوى مكانتهما وإمكاناتهما إلا أنه منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى المسؤولية فى يونيو 2014 وجه المسار المصرى نحو تعزيز العلاقة مع الصين، بل كانت زيارته التاريخية إلى الصين فى ديسمبر من العام ذاته "2014" الخطوة الأكثر تأثيرا فى رفع مستوى علاقات البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وهو ما فتح مجالا أوسع وارحب للتعاون بينهما فى كل المجالات.
وجاءت زيارة الرئيس الصينى شين جين بينج إلى القاهرة فى يناير 2016 لتستكمل تلك الخطوة الأكثر أهمية فى مسيرة علاقاتهما إلى الحد الذى وصف فيه الرئيس الصينى الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين بأنها النموذج للتضامن والتعاون بين الصين والدول العربية والإفريقية والنامية القائم على المنفعة المتبادلة والكسب المشترك.
ولم يتوقف الأمر على ذلك فحسب بل كانت لقاءتهما المتجددة دافعا قويا لتعزيز هذه الشراكة، إذ التقى الرئيسان مرتين عام 2022 لمناقشة المزيد من سبل تعزيز التنمية والتعاون بين البلدين، وهو ما أدى إلى توسيع مجالات التعاون المشترك بينهما فى مختلف المجالات وعلى كل المستويات؛ السياسية والاقتصادية التجارية والاستثمارية والثقافية والتعليمية.
فعلى المستوى السياسى كان الموقف المصرى المتميز الداعم لوحدة الأراضى الصينية والتأكيد على مساندة الموقف الصينى بشأن قضية تايوان، موقفا معبرا عن رؤية القيادة السياسية المصرية فى أهمية الحفاظ على الدولة الوطنية وسيادتها واستقلاليتها، ورفض التدخل فى الشئون الداخلية للدول وهو من المبادئ الأممية الثابتة فى السياسة الخارجية المصرية المتسق فى ذلك مع ثوابت السياسة الخارجية الصينية، ذلك الاتساق الممتد بينهما بشأن مختلف القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
كما امتد التعاون بينهما إلى المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، حيث يشهد الواقع تعاونا واسع المدى فى مجالات مثل المواصلات والاتصالات والتعدين وصناعة الغزل والنسيج وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعى وعلوم الفضاء والمدينة الذكية والطاقة الجديدة والطاقة المتجددة والتدريب والتعليم المهنى والتعليم العالى، فضلا تواجد الصين فى العديد من المشروعات الإنشائية فى مصر، على غرار العاصمة الإدارية الجديدة وخطوط السكك الحديدية بالعاشر من رمضان وغيرها الكثير.
وإذا كان التوافق فى التوجهات السياسية والتعاون فى المجالات الاقتصادية والاستثمارية من أولويات الدول فى توجهاتها الخارجية، فإن التعاون فى مجالات الثقافة والتعليم والسياحة يؤكد على امتداد هذا التعاون إلى مستوى الشعوب وسعيها إلى التقارب والتفاهم المشترك، وهو ما وجد ساحة واسعة من التعاون بين الجانبين، وأقيمت الأنشطة المتنوعة مثل الأسابيع الثقافية ومهرجانات الأفلام ومعارض الآثار ومعارض الصور، التى لاقت ترحيبا كبيرا من شعبى البلدين، بل يذكر أن أصبحت اللغة الصينية ضمن المنهج الدراسى للمدارس الابتدائية والمتوسطة المصرية.
فعلى سبيل المثال أطلق المشروع التجريبى لتعليم اللغة الصينية فى المدارس المتوسطة المصرية فى سبتمبر 2022، ليصل ما يقرب من 30 جامعة مصرية بفتح تخصص اللغة الصينية، كما تم إنشاء 4 معاهد كونفوشيوس وفصلى كونفوشيوس وورشتى لوبان.
إلى جانب ذلك شهدت حركة السياحة الصينية إلى مصر تزايدا كبيرا، خاصة منذ أن وقعت البلدين على مذكرة تفاهم بشأن البرنامج التنفيذى لسفر المجموعات السياحية الصينية إلى مصر فى عام 2002، فقد ازداد عدد السياح الصينيين إلى مصر بشكل سريع، فقد وصل عدد السياح الصينيين إلى مصر 500 ألف شخص عام 2018.
وفى يناير عام 2023، أدرجت مصر فى قائمة الدفعة الأولى من الدول التجريبية لاستئناف المجموعة السياحية الصينية الصادرة من وزارة الثقافة والسياحة الصينية، كما توجد اليوم 17 علاقة التوأمة بين المقاطعات والمدن من الجانبين.
نهاية القول إن الاحتفال بالذكرى 67 للعلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، يمثل تذكيرا مهما للشعبين المصرى والصينى أن ما تشهده علاقات البلدين اليوم ليس وليد اللحظة الراهنة وإنما يمتد إلى عقود شهدت خطوات مستمرة من التعاون والتقارب المشترك، بما يؤكد أن المستقبل المنظور يشهد استمرارا لهذه المسيرة، وتوسعا فى دوائرها وتنوعا فى مجالاتها.
د.رانيا أبوالخير الأمين العام للمنتدى العالمي للدراسات المستقبلية.