البث المباشر الراديو 9090
د.رانيا أبو الخير
للمرة الأولى منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، تصدر الصين فى 28 يونيو الماضى 2023 قانون العلاقات الخارجية بموجب مرسوم رئاسى وقعه الرئيس الصينى شن جين بينغ خلال الاجتماع الثالث للجنة الدائمة للمجلس الوطنى الرابع عشر لنواب الشعب، وقد دخل هذا القانون الجديد حيز التنفيذ فى مطلع يوليو الجارى، حيث يتكون من خمس وأربعين مادة مقسمة على ستة فصول. 

اشتمل القانون على جملة من المضامين المعبرة عن السياسة الخارجية الصينية فى قادم الأيام، ومن أبرزها..

- الالتزام بالمبادئ الخمس للتعايش السلمى، وهى: الاحترام المتبادل للسيادة، وسلامة الأراضى، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية، والمنفعة المتبادلة القائمة على المساواة، هذا إلى جانب تأكيد التزام الصين بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والتسوية السلمية للنزاعات الدولية، ومعارضة استخدام القوة أو التهديد باستخدامها فى العلاقات الدولية، ومعارضة سياسة الهيمنة.

- التحديد الواضح للجهات ذات الصلة بإدارة الشؤون الخارجية ومهامها وصلاحيات، وهى: الإدارة المركزية للشؤون الخارجية المعنية بصنع القرار وتنسيق الشؤون الخارجية، المجلس الوطنى لنواب الشعب ولجنته الدائمة واللذين يتوليان المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات المبرمة مع الدول الأجنبية وإلغاءها، كما يقوم رئيس الجمهورية بتسيير شؤون الدولة وممارسة المهام والصلاحيات المنصوص عليها فى الدستور فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية، كما يتولى مجلس الدولة للشؤون الخارجية، إبرام المعاهدات والاتفاقيات مع الدول الأجنبية، وفى المجال العسكرى، تنظم وتدير اللجنة المركزية العسكرية التبادل والتعاون العسكرى الدولى، فى حين يكون دور وزارة الخارجية تنظيم الشؤون الدبلوماسية وفقا للقانون، وتتولى مهام إجراء التبادلات الدبلوماسية بين قادة الحزب والدولة وقادة الدول الأجنبية.

- التأكيد على التعددية القطبية كمبدأ حاكم للعلاقات الخارجية، والمشاركة فى إصلاح وبناء نظام الحوكمة العالمى، والعمل على الحد من التسلح، وحظر جميع أشكال أنشطة انتشار أسلحة الدمار الشامل، والمساهمة فى التعاون والمساعدات للدول النامية، لتعزيز التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعى.

- وضع أسس النظام القانونى للعلاقات الخارجية، من خلال توضيح كيفية إبرام الصين المعاهدات والاتفاقيات أو المشاركة فيها وفقا للدستور والقوانين، مع التأكيد على أحقية الصين فى اتخاذ التدابير المضادة والتقييدية للأفعال التى تنتهك القانون الدولى والأعراف الأساسية للعلاقات الدولية وتعرض سيادة الصين وأمنها ومصالحها التنموية للخطر، وهذه هى النقطة الأكثر أهمية، حيث تعطى للصين الحق فى اتخاذ تدابير مضادة، بمعنى أنها لن تكون البادئة بفرض العقوبات على الأشخاص والدول، وإنما ستقوم باتخاذ الإجراءات المناسبة ردًا على تعرضها لعقوبات من دول أخرى.

- التأكيد على سعى الصين لإقامة وتطوير علاقاتها الدبلوماسية مع جميع دول العالم على أساس مبدأ الصين الواحدة، أى التسليم بسيادة الصين على تايوان، كما تؤكد على سلامة وأمن الأجانب والمنظمات الأجنبية فى الصين شريطة الالتزام بالقوانين الصينية وعدم تعريض الأمن القومى للصين للخطر أو الإضرار بالمصالح العامة أو الإخلال بالنظام العام.

هكذا، يتضح لنا مدى التطور فى الرؤية الصينية لمكانتها الدولية والإقليمية فى عالم يشهد صراعًا عميقًا على قيادته، إذ مثل إصدار مثل هذا القانون لضبط إدارة الصين لعلاقاتها الخارجية مع مختلف دول العالم، تحولًا مهما فى سياق الرؤية الصينية لكيفية مواجهة السياسات الأحادية الأمريكية وخاصة فى جانبها العقابى، إذ تستهدف الصين التأكيد على توظيف الإدارة القانونية فى سياستها الخارجية إلى جانب أدواتها السياسية والاقتصادية بعيدًا عن التلميح الذى تحاول أن تركز عليه واشنطن فيما يتعلق بالإداة العسكرية وخصوصًا فى ملف تايوان، وهو ما يؤكد من جديد مدى التباين فى توجهات الفاعلين الدوليين حيال كيفية إدارة ملفاتهما الخلافية، إذ لا يزال التوجه الصينى ينحو صوب السلمية حفظًا للأمن والاستقرار، فى حين تسعى واشنطن إلى إعطاء الأولوية للأدوات العسكرية خدمة لمصالحها على حساب مصالح الدول والشعوب فى ضمان الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة للجميع.

د.رانيا أبوالخير/ الأمين العام للمنتدى العالمى للدراسات المُستقبلية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز