حسام الدين الأمير
والمتابع الحقيقى لجلسات المؤتمر يلحظ هدفا أساسيا دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسى، وثمنت خطواته وقائع وجلسات وضيوف المؤتمر والمشاركين، وهو ضرورة الوصول إلى تحقيق تسوية سلمية وفاعلة للأزمة فى السودان، وذلك لن يتأتى بشكل كبير إلا من من خلال التنسيق بين دول الجوار والمسارات الإقليمية والدولية الأخرى، الأمر الذى من شأنه الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومقدراتها.
وهنا لا نغفل أو نتجاهل أن السودان يمثل عمقا استراتيجيا للدولة المصرية من ناحية الجنوب، ولا ننسى أيضا أن العلاقات الاستراتيجية بين مصر والسودان أزلية وتاريخية، كما أن مصر والسودان كلا منهما يمثل العمق الاستراتيجى للآخر، ومصر والسودان وجنوب السودان قبل مائة عام كانت هذه الدول الثلاث دولة واحدة، الأمر الذى يعيد إلى الأذهان أهمية هذه القمة فى هذا التوقيت الصعب الذى تعيش فيه السودان أزمة راهنة، مما دفع القيادة السياسية فى مصر إلى التفكير فى حلول من شأنها حقن دماء الشعب السودانى، وتجنيبه الآثار السلبية التى يتعرض لها، وكذلك صياغة رؤية مشتركة لدول الجوار المباشر للسودان.
وبقراءة سريعة فى القمة بعد نهايتها نجد أنها كانت محط أنظار العالم ورؤساء دول وشعوب العالم أجمع، والكل كان منتظرا النتائج التى ستسفر عنها، خصوصا وأن وسائل الإعلام العالمية أفردت مساحات وتقارير وتحقيقات للقمة، مثالا وليس حصرا ما وصفته وكالة أنباء "أسوشيتد برس" الأمريكية بأن قمة مؤتمر دول الجوار للسودان التى عقدت فى القاهرة بـ"الأكثر أهمية" منذ اندلاع القتال فى جميع أنحاء السودان فى منتصف إبريل الماضى، واعتبرت صحيفة "الخليج" الإماراتية، أن الرؤية المصرية للوصول لحل سلمى للأزمة السودانية تهدف إلى العمل على حل الصراع بوسائل تحافظ على استقرار السودان، ومحاصرة النزاع القائم بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع، بحيث لا يمتد إلى دول أخرى، وأن البحث عن سبل لحل الصراع سلميا لن يكون إلا بأيدى السودانيين أنفسهم.
وبالعودة إلى الأجواء التى شهدتها القمة وما قبلها، سنجد أن مصر فى مقدمة دول جوار السودان الأكثر تضررا من الحرب الدائرة هناك ومعها تشاد وجنوب السودان، نظرا لتحملهم عبء اللاجئين الفارين من ويلات الحرب، والمدقق فى الأمر يعلم أن حل الأزمة فى السودان، ووقف الحرب الدائرة، لا يمكن أن يكون حلا أو حسما عسكريا، الأمر الذى يتطلب منع تدخل الأطراف الخارجية، لدعم أحد طرفى النزاع، والذى من شأنه أن يطيل أمد الحرب.
والسؤال الذى طرح نفسه قبل انعقاد القمة ووقت الترتيب لها هو هل يملك مؤتمر قادة دول الجوار فرصة لإنهاء الأزمة السودانية؟ لكن الإجابة يمكن أن تتلخص فى كلمة السر وهى مصر ورئيسها، لا سيما وأن مصر تتمتع بعلاقات طيبة مع طرفى الصراع فى السودان ومع دول الجوار التى تأذت من الحرب، وكانت مدعوة لحضور القمة، وأن دعوة مصر لعقد القمة كان بمثابة طوق النجاة للجميع، بعد فشل كل الجهود الدبلوماسية والمبادرات الدولية والإقليمية، التى سبقتها فى الوصول إلى حلول لوقف القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع والتى كان آخرها اجتماع اللجنة الرباعية لمنظمة "إيفاد"، والذى عقد بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
وإجابة أخرى للسؤال يكشفها البيان الختامى للقمة، ذلك البيان الذى ألقاه الرئيس عبد الفتاح السيسى، وركز فيه على ضرورة حماية الدولة السودانية ومؤسساتها، ومعربا عن قلقه البالغ من تدهور الأوضاع الإنسانية فى البلاد، ودعا البيان إلى الاحترام الكامل لسيادة السودان وسلامة أراضيه وعدم التدخل فى شؤونه، واعتبار النزاع الحالى شأنا داخليا، مؤكدا على إطلاق حوار جامع يلبى تطلعات الشعب السودانى، وتشكيل آلية وزارية بشأن الأزمة السودانية يكون اجتماعها الأول فى دولة تشاد.
وبالرؤية إلى تطلعات الشعب السودانى، نجد أن مخرجات القمة حظيت بتأييد دولى من ناحية، وتأييد شعبى كبير من الشعب السودانى من ناحية أخرى، فضلا عن تأييد من الأطراف المتنازعة فى السودان.
وبقرأة أخرى فيما جاء على لسان الرئيس السيسى، فى القمة نجد أنه "حذر وطالب وأشاد وكشف ودعا وأكد" حذر من خطورة الوضع فى السودان، وتداعياته السلبية على دول العالم خصوصا دول الجوار السودانى، وطالب بوقف القتال الدائر حفاظا على مؤسسات السودان، ومعالجة جذور الأزمة، وطالب أيضا جميع أطراف المجتمع الدولى بتنفيذ تعهداتها بدعم دول جوار السودان الأكثر تضررا من الأزمة، وأشاد بموقف دول الجوار التى استقبلت مئات الآلاف من النازحين ووفرت لهم سبل الإعاشة، وكشف عن خطة مصر لحل الأزمة والتى تتضمن وقف التصعيد، وبدء المفاوضات لحل مستدام، وإقامة ممرات آمنة لمرور المساعدات الإنسانية والإغاثية، وإطلاق حوار جامع للأطراف السودانية بمشاركة القوى السودانية والمدنية لبدء عملية سياسية شاملة تلبى تطلعات الشعب السودانى، ودعا إلى تشكيل آلية اتصال منبثقة عن المؤتمر لوضع خطة عملية تنفيذية لوضع حل شامل للأزمة والتنسيق مع جميع الأطراف فى السودان، وأكد أن مصر ستبذل ما فى وسعها مع جميع الأطراف لوقف نزيف الدم فى السودان، والمساعدة فى تحقيق تطلعات الشعب السودانى بالعيش فى وطنه بأمن وحرية وسلام وعدالة، وتسهيل مرور المساعدات إلى السودان عبر الأراضى المصرية بالتنسيق مع الوكالات العالمية والإغاثية.