البث المباشر الراديو 9090
جمال رائف
الإيمان الراسخ لدى العقيدة الدبلوماسية المصرية بكون المحيط الإقليمى الأكثر استقرار يمنح الدول القدرة على تحقيق النهوض والنماء، هو المحرك الأساسى للعمل المصرى الذى يستهدف تصفير مشاكل الإقليم، فهناك روابط وثيقة بين الأمن القومى الداخلى للدول وتحقيق الأمن والسلم الإقليمى الذى له تأثير مباشر على استقرار الأوطان.

العالم يتشكل من جديد، بل إنها سنة السياسة الدولية أن يظل المجتمع الدولى فى ديمومة صراع لا متناهى حينما تصل إلى ذروتها يتغير معها شكل خريطة السياسية العالمية.

هذا حدث بالفعل منذ قدم التاريخ واستمر عقب الحروب العالمية، وهو نفسه ما نتجه إليه الآن مع احتدام الصدام بين القوى العالمية الكبرى.

مصر فطنت مبكرا لتلك السنة الدولية، وبالتحديد بعد عام 2014 حيث تشكل إدراك مصرى بأهمية صناعة سياسية خارجية متزنة قادرة على تحقيق مصالح الداخل والمساهمة فى صناعة الاستقرار والسلام الإقليمى والدولى عبر اتباع حياد إيجابى لا يدفع بالدولة نحو الانخراط فى أى مغامرات خارجية تضر بمصالح الأمن القومى المصرى، بل إنها قررت التواجد على الساحة الإقليمية والدولية كعنصر حل لديه ثوابت داعمة لتحقيق السلام والاستقرا عبر المسارات السياسية والحفاظ على كيان الدولة الوطنية ومؤسساتها، هذا بالإضافة لتعزيز التنمية والأعمار بما يضمن الاستقرا الداخلى للدول.

رغم أن هذا النهج الدبلوماسى الرصين قد يبدو صعبا خاصة مع اشتعال الأزمات الإقليمية لتحيط بالحدود المصرية، إلا أن الإرادة المصرية كانت أكثر حكمة من أن تنخرط فى صراعات صفرية النتائج، بل سعت لتصفير الأزمات الإقليمية نفسها تحقيقا للهدف الأصلى المتعلق بالاستقرار الإقليمى، حتى فى ظل وجود تباعد فى وجهات النظر مع بعض دول المنطقة فى وقت سابق ظلت القاهرة محافظة على سياسية الباب المفتوح وحينما طرقت كل من قطر وتركيا على سبيل المثال الأبوب رحبت القاهرة بالحوار سعيا وراء تصفير مشاكل الإقليم.

عودة العلاقات إلى طبيعتها بين مصر ودول مثل قطر، وتركيا مؤخرا؛ يؤكد مدى رصانة الدبلوماسية المصرية التى لم تستجيب لمسببات الصراع الإقليمى وذهبت لتحقيق أهدافها الداعمة للسلام لا أهداف الصراع الدولى، بل إن ثبات الرؤية المصرية واتزان علاقتها الخارجية المنفتحة على كافة أطراف المجتمع الدولى وضعت القاهرة كأحد عواصم صناعة القرار الإقليمى التى لا يمكن الاستغناء عن تعزيز العلاقات معها، خاصة وأن مصر بجانب الدبلوماسية الرشيدة استطاعت إخراج العمل الاقتصادى الإقليمى والدولى خارج حسابات التنافس الهدام، بل جعلت من التعاون الاقتصادى الإقليمى مسارا لصناعة التفاهم والتقارب بين الدول، ومن ثم استطاعت مصر أن تتحرك دبلوماسيا واقتصاديا على الصعيد الخارجى بما يمكنها من إيجاد مسارات عمل مشترك مع مختلف دول الإقليم لترسيخ الاستقرار بالمنطقة، خاصة بعد أن اكتسبت القاهرة ثقة الجميع وباتت عاصمة صناعة القرار الإقليمى.

تسعى القاهرة لصناعة السلام وتصفير مشاكل الإقليم الذى تترابط مصائر دوله بفعل روابط التاريخ والجغرافيا، لهذا تستمر الدبلوماسية المصرية الرشيدة فى عملها وسط فوضى عالمية طاحنة تحاول النيل من استقرار الدول النامية بالتحديد، وها هى تنجح مجددا فى إقناع الجميع برؤيتها الحكيمة وتحركاتها الدبلوماسية الرصينة.

فمهما كانت المتغيرات والتغيرات تبقى القاهرة بصبرها الاستراتيجى قادرة على الصمود كركيزة استقرار عربى وإفريقى وأيضا شرق أوسطى لا يمكن الاستغناء عن وجودها فى كافة معادلات الاستقرار الإقليمى، فالعلاقات مع مصر ليست من باب الرفاهية الدبلوماسية ولكنها ضرورة قصوى تحقق المكاسب المشتركة وايضا المكاسب الإقليمية.

ورغم أن الثابت الوحيد فى السياسية الدولية هو التغير، إلا أن مصر أثبتت أنها استثناء، فهى وحدها تتغير لها السياسية الدولية، وكيف لا وهى أم الدنيا وأصل الحكاية؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز