محمد البياع
بداية، لكى نفهم ما يحدث للدولار الأمريكى، علينا العودة إلى عام 1944 مع قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، فى مؤتمر برايتون وودز، وقرار ربط الدولار بالذهب، واستخدامه كوسيلة للتبادل بين الدول، حتى قرر نيكسون، إلغاء هذا الارتباط.
كل المشكلات التى نراها حاليا فى النظام المالى العالمى، هى نتيجة مباشرة لقرار الرئيس الأمريكى نيكسون فى 15 أغسطس 1971 بإلغاء ارتباط الدولار بالذهب.
منذ هذا التاريخ، أصبحت كل العملات مجرد عملات ورقية غير مدعومة بالذهب أو أى شىء له قيمة، بل أنها حتى لا تساوى قيمة الحبر المطبوع عليها.
لم يعد هناك نقود بالمعنى المتعارف عليه بأنها شىء له قيمة حقيقية وجوهرية كالذهب والفضة، بل أصبحنا نستخدم عملة إلزامية مفروضة بالقوة الحكومية وغير مدعومة بأى شىء، أصبحت قيمة العملة لأى بلد تقاس من خلال ارتباطها بالعملات الدولية الأخرى وخاصة الدولار.
ولكى نفهم كيف يعمل الاقتصاد الأمريكى، علينا أولا فهم طريقة عمل نظام الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى.
نحن لا نعيش فى اقتصاد لكننا نعيش داخل مخطط عملاق
ما هو هذا المخطط؟
هو أحد أشكال الاستثمار الاحتيالى من خلال تقديم الوعود للمستثمرين بتحقيق عوائد كبيرة بدون مخاطر، يتم استخدام أموال المستثمرين الجدد فى دفع مستحقات المستثمرين الأقدم، هذا المخطط لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية وسوف ينهار عندما لا يمكن العثور على مستثمرين جدد.
الاحتياطى الفيدرالى يعمل بنفس طريقة المخطط
فعندما تحتاج الحكومة الأمريكية إلى المال، فإنها تقترض من الاحتياطى الذى يقوم بدوره، بطباعة الكمية المطلوبة للقرض.
يتلقى فى المقابل سند ضمان من وزارة الخزانة الأمريكية يسمى I.O.U، وهى اختصار لجملة I Owe You، بمعنى أنا مدين لك.
ويتعاون الاحتياطى الفيدرالى مع وزارة الخزانة الأمريكية على بيع هذه السندات الحكومية I.O.U فى المزاد للصناديق المالية والبنوك المركزية الأجنبية، لأنه مع استمرار بيع السندات الحكومية.
يقوم أصحاب المخطط (الاحتياطى والخزانة)، باستخدام عوائد بيع سندات القروض الجديدة فى دفع مستحقات سندات القروض القديمة.
باختصار..
لكى يستمر الاقتصاد الأمريكى فى العمل، يجب الاستمرار فى خلق أموال أكثر من العدم (السندات الحكومية)، بهذه الطريقة يستمر الدين فى الزيادة بشكل دائم، ولا يمكنك سداده أبدا، لأنك تحتاج فى كل مرة إلى قرض جديد مع فائدة جديدة، من أجل سداد القرض السابق إضافة إلى الفائدة عليه، يبدو الأمر كما لو كان كرة من الثلج، تظل تدحرج، وتكبر وتكبر حتى تسحق الجميع.
إذا توقفت الصناديق والمؤسسات والدول الأجنبية فى أى وقت عن إقراض أرباحها من الدولارات إلى أمريكا، من خلال التوقف عن شراء السندات الأمريكية مع بيع ما تمتلكه من هذه السندات سوف ينهار الاقتصاد الأمريكى.
كل إجراءات الإنقاذ المالية أيا كانت، هى مجرد محاولات لتأجيل هذا الانهيار المحتوم، هذا الانهيار محتوم أيضا إذا استمرت أمريكا فى الاقتراض من الخارج.
يوضح روبرت بليكر أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية فى واشنطن، أنه لا يمكن لأى بلد أن يستمر فى الاقتراض من الخارج دون أن يؤدى ذلك فى النهاية إلى انخفاض قيمة عملته وانكماش اقتصاده.
لاحظ أن النتيجة واحدة، سواء استمرت أمريكا فى الاقتراض أو توقفت الدول عن إقراضها.
إذن ما الحل؟
هل يمكن العيش فى حدود الإمكانات وخفض الإنفاق من أجل سداد الديون، وهذا الطبع غير ممكن فى ظل النظام المالى الحالى، لأنه لا يمكن تحقيق نمو اقتصادى بدون الحصول على قروض جديدة، وبالتالى زيادة الدين، وفى ظل النظام المالى الحالى لا يمكنك الخروج من هذه الحلقة إلا بهيكلة وإصلاح النظام نفسه أو تخليص نفسك منه.
باختصار..
سوف يضطر العالم إلى تخليص نفسه من هذا النظام المالى القائم على الدولار الأمريكى عاجلا أم آجلا، وهذا يتفق مع قول الرئيس عبد الفتاح السيسى إن الدولار سيصبح مجرد تاريخ.