حسام الدين الأمير
منذ ساعات، وتحديدا أمس السبت، الموافق 23 سبتمبر، احتفلت الحركة الصحفية المصرية والعربية، وكذلك العالمية أيضا، بالذكرى المئوية لميلاد «الأستاذ» محمد حسنين هيكل، الذي ولد في 23 سبتمبر عام 1923، وعندما أكدت على احتفاء الصحافة العالمية بهذه المناسبة، لأنه عند عمله بالصحافة التحق في بداياته بجريدة «الإجيبشيان جازيت»، وعمل كمحرر تحت التمرين بقسم الحوادث، ثم انتقل إلى القسم الألماني، وكانت له تغطياته المتميزة للأحداث الحربية وكذلك لمجريات الأمور ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة وأنه عمل في مجال الصحافة في وقت مبكر من عمره، فخلال مواصلة دراسته في القسم الأوروبي بالجامعة الأمريكية، وخلال فترة دراسته تعرف على سكوت واطسون، الصحفي المعروف وقتها في جريدة الإيجيبشان جازيت، والذي استطاع عن طريقه أن يلتحق بالجريدة في 8 فبراير 1942، صحفيا تحت التمرين بقسم المحليات، وكان «هيكل» وقتها في التاسعة عشر من عمره، ووقتها كانت الإيجيبشان جازيت، هي المطبوعة الأجنبية الأولى في مصر.
كانت من أبرز تغطياته الصحفية، وهو في سن مبكرة، تحقيقه الموسع عن إلغاء البغاء رسميا، بقرار وزير الشؤون الاجتماعية في مصر وقتها عبدالحميد حقي، كما أنه رصد المعارك بين قوات الحلفاء والمحور، وغطى الحرب في مالطا وكتب عن استقلال باريس.
بعد بدايات عمل «الأستاذ» المبكرة، في جريدة «الإجيبشيان جازيت»، التحق بالعمل في مجلة روز اليوسف، وبعدها في مجلة آخر ساعة عام 1945، كمحرر وقدم على صفحاتها، تحقيقات مثيرة عن خط الصعيد، ووباء الكوليرا، واغتيال ملك الأردن الأسبق الملك عبدالله في القدس، وكلها تحقيقات جعلته يفوز بجائزة الملك فاروق، واستمر بها حتى انتقلت ملكيتها لجريدة أخبار اليوم، وفيها عمل مراسلا متجولا لجريدة أخبار اليوم، لنقل الأحداث الجارية من كل مكان بالعالم في الشرق الأوسط وكوريا ودول إفريقيا والبلقان وغيرها من دول العالم، وتولى بعد ذلك منصب رئيس تحرير مجلة آخر ساعة عام 1951، وفي نفس الوقت مدير تحرير جريدة أخبار اليوم، ثم عين رئيسا لتحرير جريدة الأهرام لمدة 17 عاما، وكان له عمود أسبوعي خاص به تحت عنوان بصراحة، وخلال رئاسته تحرير جريدة الأهرام أسس «الأستاذ» مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وبعدها انتهت علاقته بالأهرام عام 1974، بعد صدور قرار الرئيس الراحل محمد أنور السادات بإقالة هيكل من الأهرام، وتعيينه في قصر عابدين مستشارا لرئيس الجمهورية، لكن «الأستاذ» اعتذر وخرج من الجريدة، وكانت هذه أشهر محطات صدامه مع السادات، وهو الصدام الذي بدأ في 1972 بسبب مقال نشره هيكل بعنوان «كيسنجر وأنا».
«الأستاذ»، العملاق محمد حسنين هيكل، كان في حياته، وبعد وفاته، النموذج لكل الطامحين في العمل الصحفي، والمثل لكل الرائدين في التحليل السياسي، والقائد لكل خبراء علم الجيواستراتيجي، فهو الذي وصفته صحيفة نيويورك تايمز، بأنه «عميد المحللين السياسيين العرب»، وقال عنه «أنتوني ناتنج»، وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية فى وزارة أنتوني إيدن، ضمن برنامج عن محمد حسنين هيكل أخرجته هيئة الاذاعة البريطانية، ووضعته على موجاتها يوم 14 ديسمبر 1978 في سلسلة صور شخصية، قال: عندما كان قرب القمة كان الكل يهتمون بما يعرفه.. وعندما ابتعد عن القمة تحول اهتمام الكل إلى ما يفكر فيه، وعند وفاته في 16 فبراير 2016 نعته أكبر الإصدارات الصحفية العالمية مثل سي إن إن والهافنجتون بوست ودويتشه فيله وأسوشيتد برس، ليس هذا فقط بل أن المجتمع الصحفي المصري والعربي والعالمي أطلق عليه لقب «البارون» و«الجورنالجي»، ووصفته دويتشه فيله الألمانية بأنه «صحفي القرن» وعند وفاته وصفته وسائل إعلام عربية وغربية بعدة ألقاب منها «أيقونة الصحافة العربية» و«ذاكرة مصر والعرب في مائة عام».
وبالعودة إلى مسيرة «الأستاذ»، نجدها ذاخرة بالمحطات الصحفية والسياسية، فقد كان هيكل صديقا مقربا للرئيس الراحل جمال عبدالناصر وكاتما لأسراره، وقد تكشفت هذه الصلة في قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1970 بتعين «الأستاذ» وزيرا للإرشاد القومي، ولأن الرئيس جمال عبد الناصر يعرف تمسك «الأستاذ» بمهنة الصحافة، فإن المرسوم الذي عينه وزيرا للإرشاد القومي، نص في نفس الوقت على استمراره في عمله الصحفي كرئيس لتحرير الأهرام.
كما أن «الأستاذ» كان صاحب علاقات متوترة بالرئيس الراحل محمد أنور السادات، وصلت إلى حد الصدام والخلاف والقبض على هيكل ضمن اعتقالات سبتمبر 1981، لكن أُفرج عنه بعد اغتيال السادات، وتحديدا في 25 نوفمبر 1981، ودعا بعدها للقاء الرئيس الراحل محمد حسني مبارك في قصر العروبة، كما أنه عاصر جميع رؤساء البلاد.
وبعد رحيل «الأستاذ»، نعاه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بأن مصر فقدت علما صحفيا قديرا أثرى الصحافة العربية بكتاباته وتحليلاته السياسية، وأن هيكل، كان شاهدا على أحداث ومحطات مهمة في التاريخ المعاصر، فضلا عن مؤلفاته التي تناولت العديد من الأزمات والأحداث التي مرت بها مصر ومنطقة الشرق الأوسط، حيث أسس مدرسة صحفية متميزة جمعت بين التحليل السياسي وروعة الأسلوب الصحفي بلغة رصينة وراقية، كما أن جهوده كان لها أثر عظيم في النهوض بصحيفة الأهرام العريقة إبان رئاسته مجلس إدارتها وتحريرها، والفقيد سيظل رمزا للكاتب الصحفي وخير معلم لأجيال من الصحفيين.
مسيرة «الأستاذ» الصحفية امتدت لأكثر من 75 عاما في العمل الصحفي، ترك خلالها أكثر من 40 كتابا ففي عام 1951 صدر له كتاب «إيران فوق البركان»، وفي عام 1953 صدر له كتاب بعنوان «فلسفة الثورة» وكان يدور حول توجهات سياسية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وفي عام 1962 ألف كتاب «ما الذي جرى في سوريا» كان بمثابة شهادته على 3 سنوات من الوحدة بين مصر وسوريا وبعدها صدر له كتاب «خبايا السويس»، وله مؤلفات أخرى منها: «العروش والجيوش» وسلسلة مؤلفات «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل» و«خريف الغضب» ومن مؤلفاته أيضا «عبدالناصر: وثائق القاهرة» وكتاب «أبوالهول والقوميسير» و«حرب الخليج.. أوهام القوة والنصر».
اعتزل «الأستاذ» عمله الصحفي بعد أن أتم عامه الثمانين، واكتفى بالكتابة في مجلة «وجهات نظر» والذي كان يشرف على تحريرها، وكان يقدم برنامجا أسبوعيًّا تليفزيونيًّا بعنوان «مع هيكل»، وكذلك «مصر أين.. ومصر إلى أين؟» وأصبحنا بعد رحيل «الأستاذ» ننتظر فارسًا جديدًا جريئًا في بلاط صاحبة الجلالة.