د.رانيا أبو الخير
فهم الجميع أن صدور مثل هذه التقارير أو البيانات إنما تأتى في ظاهرها حقوقي ومدافع عن الحريات كغطاء لتورية أهداف سياسية ومصالح اقتصادية تستهدف إخضاع الدول، وإثارة الفتن داخلها في سبيل تحقيق تلك المستهدفات التي تدمر المجتمع، وتفكك الدولة على غرار ما كان يجرى في تسعينيات وأوائل الألفية الثالثة، حينما كان الجميع مخدوعا في الشعارات الرنانة والخطابات الطنانة حول ملف حقوق الإنسان، وحماية الحريات وأكاذيب مثالية النموذج الأمريكي والأوروبي المدافع عن هذه المنظومات.
إلا أن ما جرى من هذه الدول وحكوماتها تجاه شعوب العالم النامي بداية من أفغانستان مرورا بالعراق في ظل الاحتلال الأمريكي، وكذلك ما يجري في العديد من الدول الإفريقية، أفقد المصداقية في هذه الدول وتقاريرها وبياناتها، وهو ما ينطبق على التقرير الأخير الصادر عن البرلمان الأوروبى.
تكشف القراءة السريعة وليست الدقيقة عن ملاحظتين مهمتين واجبتي التسجيل تمثل ردا عمليا على فراغ هذا التقرير من مضمون جاد من ناحية، وهشاشة الموقف السياسي للبرلمان الأوروبي من ناحية أخرى.
أولى هاتان الملاحظتان، تتعلق بتوقيت صدور هذا التقرير إذ جاء مباشرة عقب إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسى، عن الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، في محاولة لتشويش الواقع الذي عكسه مؤتمر "حكاية وطن"، والذي كشف عن حجم من النجاحات والإنجازات، التي تعجز الكلمات عن التعبير عما تحقق رغم التحديات والصعوبات والأزمات التي واجهت مصر على مدار العشر سنوات الماضية.
وارتباطا بالتوقيت أيضا فإن التقرير جاء متزامنا مع مطالبات بعض نواب الكونجرس الأمريكي حجب جزء من المعونة لمصر، وهو ما يدلل على الأجندة التوافقية الأوروبية والأمريكية للتدخل في الشأن المصري والتحامل على مصر بهدف ممارسة الضغط عليها، وهو الضغط الذى نرفضه جميعا مساندين في الوقت ذاته سياسة دولتنا وتوجهاتها التي تعلى من المصلحة الوطنية، وتدافع عن حقوق المنطقة العربية والقارة الإفريقية في مواجهة سياسات الاستغلال والهيمنة الأمريكية والغربية.
أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بأن ما تضمنه التقرير من آراء تكشف عن حقيقة الموقف الأوروبي المعادي للنجاحات التي حققتها الدولة المصرية مستعيدة سيادتها واستقلالية قراراتها بعدما تعرضت إلى أزمة وجودية في بداية العقد الثاني من هذا القرن حينما حاولت تلك الأطراف الأمريكية والأوروبية مساندة الجماعة الإرهابية لتفكيك الدولة المصرية، وجاءت ثورة 30 يونيو 2013 لتقضى على هذه الطموحات.
ما جاء في التقرير لا يعكس الواقع الحقيقي الذي تشهده مصر، وهو ما أكده النائب طارق نصير، أمين عام حزب حماة الوطن، بأن تقرير البرلمان الأوروبي بشأن مصر "مضلل، وتدخل سافر في الشأن المصري الداخلي، ولا يعبر عن حقيقة الواقع داخل مصر"، لأن ما يجري في مصر الآن ليس فقط تنمية اقتصادية حقيقية بل وتنمية اجتماعية وبشرية حقيقية أيضا، بعيدةً عن روشتات مؤسسات التمويل الدولية التي تتحدث عن الحماية الاجتماعية، وليس العدالة الاجتماعية التي تمثل شعار الدولة المصرية في هذا التوقيت، هذا فضلا عما نشهده جميعا من فتح للمجال العام بداية من انطلاق الحوار الوطني وصولا إلى الاهتمام الكبير الذى حظي به مارثون الانتخابات الرئاسية المقبلة منذ انطلاقه، بما يؤكد أن الدولة المصرية تسير بخطى ثابتة وفق رؤية وطنية بمرتكزاتها الأربعة؛ اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وكذلك أمنيا.
ملخص القول، إن تقرير البرلمان الأوروبي لم يكن جديدا، ولم يضف شيئا إلى الواقع، ولم ينتقص في الوقت ذاته من نجاحات وإنجازات الدولة المصرية التي يشهد بها الواقع، وإنما نرى أن مثل هذه التقارير، وما على شاكلتها إنما تدور في واقع افتراضي يحاول أن يجد من يؤمن به من أصحاب الأجندات التخريبية التي يؤدى أصحابها أدوارا خدمية لمن يدفع أكثر.
د.رانيا أبوالخير/ الأمين العام للمنتدي العالمي للدراسات المستقبلية.