د.رانيا أبو الخير
إذ عانى الشعب الفلسطيني على مدار ما يزيد على نصف قرن، من تشريد وطرد وانتهاكات واعتداءات مستمرة من الجانب الإسرائيلي الذي لم يتوان عن البحث في جميع سجلات التاريخ المليئة بالانتهاكات الجسيمة ليأخذ منها العبرة في كيفية إدارة ملف علاقاته مع الشعب الفلسطيني الذي احتل أرضه وشرد أهله وقتل أطفاله ولا يزال يمارس تلك السياسة البغيضة بشكل فاضح ومكشوف دون مراعاة لردود الفعل العربية والإسلامية بل والعالمية، معتمدا في ذلك على الطرف الأقوى عالميا والذي يرى في دولة إسرائيل ضرورة وجودية.
كما عبر عن ذلك الرئيس الأمريكي جون بايدن، حينما قال بشكل واضح وصريح: "ما لم تكن هناك إسرائيل لاخترعناها"، في دلالة واضحة على مدى الأهمية التي تحظى بها إسرائيل لدى الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص. ولذا تتمتع إسرائيل بحماية دولية تمكنها من ارتكاب كل الجرائم التي يعاقب عليها القانون الدولى ورغم ذلك تفلت من العقاب او حتى مجرد توجيه الاتهامات.
وفي خضم ما شهدته المنطقة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023 وتمكن حماس من كشف حقيقة إسرائيل أمام الجميع، بأنه لولا الدعم الأمريكي ومن ورائه الأوروبي لن تتمكن إسرائيل من مواجهة المقاومة الفلسطينية بشكل معتبر بل كان الوضع سيكون أكثر مأساوية للجانب الإسرائيلي في ظل قوة المقاومة وإيمانها بقضيتها التحررية من قبضة الاستعمار الاستيطاني البغيض.
وعليه أضحى النظر إلى الولايات المتحدة الامريكية كوسيط نزيه لحل الأزمة الفلسطينية أمرا مستبعدا من جانب الأطراف الأكثر انغماسا في الأزمة، إذ ليس من المقبول أن يكون الوسيط منحازا لأحد طرف النزاع، بل الأسوأ أنه يحمل رؤية مؤيدة لهذا الطرف على طول الخط دون النظر في مدى ملاءمتها للواقع الفلسطيني.
وهو ما دفع البعض إلى التحرك صوب القطب الدولى الصاعد ويقصد به الصين التي اتسمت سياستها حيال القضية الفلسطينية بالتوازن الدقيق على النحو الذى عبر عنه بشكل صريح وواضح الناطق باسم وزارة الخارجية وانغ نين، حينما قال نصا: " بالنسبة إلى النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، تقف الصين دائما إلى جانب العدالة والحق، تستنكر وتعارض كل الأعمال التي تؤدي إلى إيذاء المدنيين وتخالف القانون الدولي.
والصين تلتزم العمل مع الأسرة الدولية للمساعدة في وقف القتال والتأكد من سلامة المدنيين، وتوسيع الأعمال الإنسانية للحول دون تفاقم الكارثة، والكفاح من أجل الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية.
"إن الصين سوف تعمل من دون توقف في مجلس الأمن من أجل هذه الغاية"، عكست تلك العبارة بشكل واضح توجهات السياسة الصينية حيال القضية الفلسطينية في تأييدها لحق الشعب الفلسطيني في الكفاح من أجل تحقيق تسوية عادلة ودائمة تحقق الاستقرار والأمن للجميع، وهو الموقف المطلوب فيمن يتولى القيام بدور الوسيط بين أطراف متحاربة، ولعل النجاح الصينى في التقارب السعودي الإيراني لا يزال ماثلا أمام أعين الجميع فيما حققته الصين من اختراق كان حدثا مهما جدا في المنطقة.
في ضوء ما سبق، نخلص إلى القول بأن ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم يتطلب البحث عن وسيط دولي نزيه يقف على مسافة واحدة من أطراف الصراع، وهو ما يتحقق في التنين الصينى القادم إلى قمة النظام الدولى برؤى تستهدف تصحيح الاختلالات التي أحدثتها السياسة الأمريكية فى كثير من المناطق والأقاليم تحت حجج ومبررات واهية، إذ حرصت الصين على أن يكون لها مبعوثا خاصا للشرق الأوسط من أجل تسهيل قيامها بتلك المهمة بالتعاون مع الجانب الروسي الذي يملك هو الآخر أدوات تواجد مباشرة في الإقليم ولا يعارض السياسة الصينية بل يتكامل معها على غرار ما شهدناه خلال قمة الحزام والطريق التي عقدها الرئيس الصينى وحضرها الرئيس الروسي لأول مرة له في الخروج بعد فرض العقوبات الغربية عليه، ليؤكد على حجم التوافقات والتفاهمات الروسية الصينية والتي يمكن أن يكون لها دورا فاعلا في حلحلة الأزمة الفلسطينية الراهنة والتوجه نحو حلول سياسية تحقق الأمن والسلم للجميع.
د.رانيا أبوالخير/ الأمين العام للمنتدى العالمي للدراسات المستقبلية.