سعيد الشفاج
فضحت المقاومة الكثير من اليقينيات التي كنا حقا بلداء في تصديقها منذ سنوات.. لكن شخصيا لم أكن أجد في معنى الحقوقيات الغربية كحقوق الطفل أو حقوق الإنسان سوى لعبة إغراء ومراوغة من الغرب الدموي للدول المستسلمة.. هاته ليست سوى حرب إبادة لشعب أعزل.. وهذا الغرب لم يمارس سوى إزداوجية حقيرة تجاه قيم مهترئة كان هو أول من أسقطها.. الحرب ستكون لها تداعيات غير مطمئنة للبشرية لأن القتل هنا لم يكن للدفاع كما يدعي جيش الاحتلال بل هو حقد وكراهية وتحريف للتوراة والتاريخ.. معركة عض الأصابع كما نعتها العديد من المحللين أربكت العقل العربي والغربي وسنضطر من جديد قراءة الفلسفات وما نظرت له الحداثة والأيديولوجيات بتعددها.
لقد علمتنا غزة والمقاومة أن الهزيمة ليست سوى بداخلنا وعشنا على وهم العدو السوبرماني.. لكن يبدو أن الأمة العربية عاشت مغشوشة في عدو لا يساوي بصلة رغم وحشيته.. المواجهة كانت بخطتين الأولى عدو يسفك دماء المدنيين والثاني مقاومة تحبط مخططات الاحتلال وتنسف كل أحلامه التي تحولت في حفرة غزة إلى كوابيس.
الحرب الآن وغدًا ستغير عاجلًا خريطة العالم خاصة.. الدول التي ليس لها موقع قدم.. الأحلام على بوابة قرابين الشهداء.. الحياة تولد من الرماد كطائر الفينيق.. بقدر ما خانت الأنظمة السياسية والحكومية مواثيقها وإدارت وجهها واكتفت بالتنديد والاستنكار بقدر ما تأكد أن شعوب العالم الحر ما زالت حية.. المظاهرات في كل العواصم الكبرى أربكت حسابات الساسة وستدفعهم للمرة الألف إلى إعادة تصورهم عن القضية الفلسطينية.
الحرب في غزة هي نهاية الأمم المتحدة ومشتقاتها وبداية حقبة مختلفة من السياسة الدولية خاصة بعد اجتماع دول بريكس.. إسرائيل كورم سرطاني يعيش بدايات نهايته بسبب الصورة المرعبة التي قدمها للعالم.. ودماء الشهداء سوف تطاردهم في كوابيسهم وشرف الانطلاقة كانت في السابع من أكتوبر.. لقد عشنا نكسات عدة وانتصارات غير مكتملة.
لكن غزة سطرت ملحمة إنسانية في الصبر والإيمان بفكرة الوطن الفلسطيني.. رغم بشاعة ما نقلته الصورة الإعلانية لكن هناك قوة هائلة لمواجهة الوحش الإسرائيلي والذي يبدو أنه فقد توازنه بسبب الضربات التي وجهت له ليس من قذائف المقاومة بل من صوت العالم الحر الذي نادى بالحرية لفلسطين.. الوحش من شدة الألم بدأ يخبط خبط عشواء بلا رحمة لأنه سيلفظ أنفاسه سواء على يد المقاومة أو أيادي أخرى لا يعلمها سوى الله.
غزة كانت حربا على الطفولة والنساء حربا على أصحاب وزرة البيضاء وسيارات الإسعاف. وسيسجل التاريخ أن هزيمة العدو وليس انتصاره كانت على العزل والأطقم الطبية وعلى نشر الخراب في كل مناحي الحياة بغزة.. لقد قصفوا كل شيء لأنهم لا يملكون أي شيء في وطن لأصحاب الوطن. الجسم الصحفي لم يسلم من الاغتيال والقصف.. فهي حرب قذرة.. استغل العدو غطاء الحكومات وبالغرب المنافق وعلى رأسهم أمريكا.. غزة وحل الغزاة ومقبرة الميركافا وهي أول طريق نحو القدس وقد نكون في آخر الطريق ونحن لا ندري.
سعيد الشفاج كاتب وروائي مغربي