البث المباشر الراديو 9090
باسم الزعبي
بعيدا عن العواطف، وسواء كنا مؤيدين أو معارضين للعملية العسكرية التي قامت بها حركة المقاومة الإسلامية حماس في غزة في السابع من أكتوبر الماضي، أو ما نتج عنها، إلا أن العملية بحد ذاتها كانت مبهرة في كل المقاييس العسكرية والاستخبارية والإعلامية والسياسية، إذ إنها بحد ذاتها هزت المنطقة والعالم بأسره، سواء بما ولده الحدث من صدمة لدولة الاحتلال الصهيوني ومن خلفها صانعيها وداعميها، وفرحة عند أعدائها، أو بما ولده رد الفعل الصهيوني من هجمات همجية بربرية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة والضفة الغربية المحتلة، وصور مؤلمة لمقتل آلاف الأطفال والأبرياء، أو ردود فعل أحرار العالم الذين سيروا المظاهرات المنددة بالعدوان، وهي مظاهرات ومسيرات غير مسبوقة حقا.

ما صنعته العملية كان عظيما بكل المقاييس، فهي من الناحية العسكرية كانت عملية خارقة كسرت هيبة الجيش المحتل، الذي كان يعد أحد أفضل خمسة جيوش في العام، وصاحب أكبر ترسانة جوية، وتقنية، واستخباراتية، وعززت فكرة أن هذا الجيش يمكن أن يهزم بغض النظر عن قدرته الفائقة على التدمير، إذ إن قوة الجيوش لا تقاس بترسانتها من الأسلحة، بل بإرادة مقاتلها.

لقد أعادت العملية القضية الفلسطينية، التي كاد العالم ينساها، مجددا إلى مركز اهتمام العالم، وأيقظت الشعوب العربية من جديد، وعززت لديها الإيمان والأمل بتحقيق النصر على عدو يعد إسفينا ونخرا في جسد الوحدة العربية والمنطقة برمتها، وعرت النظام الليبرالي الغربي برمته، وكشفت زيف ادعاءاته بنصرة حق الشعوب بتقرير مصيرها، ونصرة حق الإنسان في الحياة الكريمة، وحقه في الدفاع عن نفسه، بل وصل الأمر لأن يساندوا المعتدي بالمطلق، ويدينوا المعتدى عليه، متناسين أن فلسطين وشعبها واقعة تحت الاحتلال، وكشفت العملية عن ضرورة ملحة لإحداث تغيير في النظام العالمي الحالي الذي تديره قوة واحدة لا تتسم بالعدالة ولا يمكنها ذلك، إذ إنها تمثل أبشع نظام في التاريخ - النظام الليبرالي المتوحش -.

كما كشفت العملية مجددا عن أن الشعوب هي صانعة التاريخ، وأنها لا تموت ما دام لديها ضمير حي، وأن إيمان الناس هو العامل الحاسم في معركة التحرير، وأن الدم أقوى من السيف، وأن الحياة الدنيا لا تأتي لمن يجعلها أهم من الحياة الآخرة.

لا شك بأن المتخاذلين سيركزون على المآسي التي تسبب بها الاحتلال إثر العملية، وكأن الشعب كان يعيش قبل ذلك حرا رغدا، وكأن الشعوب التي حصلت على حريتها حصلت عليها تكرما أو استجداء، فكل الشعوب التي تحررت دفعت ثمنا باهظا لحريتها.

المتخاذلون لن يحسبوا للعملية نجاحا واحدا بالتأكيد، وقد ساءهم، ويسوؤهم أن تنجح المقاومة، أي مقاومة، لأن ما يريدونه هو أن تستمر حياتهم حياة العبودية الهادئة، ورأينا كيف ينظر الصهاينة والغرب إلى شعوب المنطقة حتى قادتها، إنهم ينظرون إلينا باستحقار واستخفاف، وبأننا فقط نقوم بدور الخدم لهم، (ومن يهن يسهل الهوان عليه).

لقد أعادت هذه العملية، من وجهة نظري، للإنسان العربي كرامته المفقودة، وشيئا من الاعتبار، وستجعل العالم يحسب لنا حسابا، وستصبح علامة فارقة في التاريخ، فما بعد العملية لن يكون استمرارا لما قبلها، إننا سنشهد بداية انهيار دولة الاحتلال، وتغيرات في الخارطة الجيوسياسية في المنطقة، وسيحدث لدينا ثورة في الوعي، وربما ستهتز عروش إن لم تصوب بوصلتها.

مشاهد القتل والدمار لن تطمس مشاهد النصر فجر يوم السابع من أكتوبر، وستبقى الشاشات تعيد تلك المشاهد على أنها هي المشاهد الحقيقية للمعركة، وما تبع ذلك ليس سوى رد فعل هستيري من جيش مهزوم تجاه مدنيين عزل.

 

الدكتور/ باسم الزعبى

روائي ومترجم أردنى

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً