د.رانيا أبو الخير
صحيح أن العرب رفضوا هذا القرار حينه في حين قبلته إسرائيل ضمن مُخطط واسع المدى ليس فقط للاكتفاء بالنصيب المُحدد لها في القرار "حوالى 57% من الأراضي الفلسطينية" في مقابل "حوالي 42% للدولة الفلسطينية"، بل اتخذته إسرائيل مدخلًا للتوسع والتمدد على كامل الاراضى الفلسطينية، بل والأراضى العربية كما حدث في عدوان 1956 ضد مصر وهزيمتها، ثم جاءت المحاولة الثانية في عدوان 1967 والذي كان أكثر اتساعًا ليشمل خمس دول عربية: "الأردن، مصر، سوريا، لبنان، فلسطين".
إلا أنه من الصحيح أيضًا أن جاءت حرب أكتوبر 1973 لتضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي للأراضي المصرية وبعض الأراضي السورية في حين ظلت الأراضي العربية الأخرى تحت الاحتلال حتى خرجت إسرائيل من بعضها بالمفاوضات "الخروج من الأراضي الأردنية بمقتضى اتفاقية السلام 1994، والانسحاب من الجنوب اللبناني بسبب قوة المقاومة اللبنانية"، في حين ظل الاحتلال قائم على الأراضي الفلسطينية والجولان السورية، حتى تم التوقيع على اتفاقية أوسلو عام 1993 مع الجانب الفلسطينيي، والتي كانت بمثابة بداية لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو عودة حقيقية لقرار الأمم المتحدة بالتقسيم الصادر عام 1948، ولكن الواقع العملي تجاوز هذا التقسيم في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي من ناحية، والتوسع في بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية من ناحية أخرى.
فأصبح للاحتلال وجهين: عسكري واستيطاني مُسلح أيضًا. الأمر الذي أغلق كل المنافذ أمام حل الدولتين في ظل التعنت الإسرائيلي واعتداءاتها المُستمرة واعتداءات المستوطنين المُسلحين على الشعب الفلسطيني حتى جاء "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر، وهو أحد جولات الصراع المُستمرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، إلا أنها كانت الجولة الأكثر قوة ضد الاحتلال الإسرائيلي، حيث كشفت هشاشة جيشه وقوته، في مقابل صلابة المقاومة الفلسطينية، فكان الرد الإسرائيلي المدعوم غربيًا وأمريكيًا قاسيًا ولا إنسانيًا ومخالفًا لكل الأعراف والقوانين والتشريعات الدولية والإنسانية.
فدخلت الوساطة المصرية والقطرية مسارًا للتهدئة من خلال هُدنة إنسانية استمرت 7 أيام، عاود من بعدها العدوان الإسرائيلي جريمته الشنعاء بحق الشعب الفلسطيني، ليس فقط في قطاع غزة، بل ما يحدث أيضًا في الضفة الغربية والقدس من تزايد أعداد القتلى والجرحى بل والمعتقلين، يؤكد على النهج العدواني للاحتلال الإسرائيلي، وأن خطابه بشأن إنهاء حركة حماس والقضاء عليها ما هو إلا خطاب خادع لا يمكن أن يُجدى له صدى في الواقع، لأن حركة حماس – بصرف النظر عن خلفيتها الأيديولوجية- هي فكرة تُعبر عن مقاومة المُحتل، فكيف يمكن القضاء على الفكرة في ظل استمرار الاحتلال؟.
ولذا، فما يحدث اليوم من تجدد للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بشكل وحشي ولا إنساني، وما تشهده الضفة الغربية والقدس من اعتداءات واعتقالات لا يمكن أن يُقدم حلًا للقضية الفلسطينية أو يضع أُسس لانطلاق المفاوضات السياسية والجهود الدبلوماسية لإقامة الدولتين، كونه الحل الأكثر قبولًا لدى كافة الأطراف، بل ما يجري يُعيد القضية إلى نقطة الصفر وكأن الزمن لم يتحرك منذ حرب 1948، الأمر الذي يفرض على الجميع مسؤولية كبرى في ضرورة التدخل لوقف الوحشية الإسرائيلية وهجومها اللاإنساني ومحاولاتها لتصفية القضية الفلسطينية على حساب دول أخرى، كما يظهر في المقترحات الإسرائيلية وما يقترحه بعض النواب الأمريكيين وما تناقشه الإدارات السياسية في بعض الدول الأوروبية، وهي مقترحات مرفوضة جملةً وتفصيلًا وأن الموقف المصري موقف صامد رافض لأية محاولات من هذا القبيل، كما أكد على ذلك الرئيس عبد الفتاح السيسي، بأن مصر قوية لا تُمس، وأن تصفية القضية الفلسطينية خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
الدكتورة رانيا أبوالخير
الأمين العام للمنتدى العالمي للدراسات المستقبلية.