حسام الدين الأمير
ويأتي اليوم حديثنا عن البريد المصري في ظل موجة هائلة من برامج ووسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت العالم كله عبارة عن خبر في تغريدة أو معلومة في بوست أو فيديو على منصات التواصل، وهذا لا ينفي علمنا أن اليوم الموافق 2 يناير هو ذكرى قيام الخديوي إسماعيل بتأسيس الهيئة القومية للبريد المصري عام 1865 ومن هذا المنطلق تعد "هيئة البريد المصرية" واحدة من أهم و أقدم مؤسسات مصر الحكومية التي تقدم خدماتها للجمهور.
وبالعودة إلى الوراء نجد أن نشأة البريد في العصر الحديث بشكله التقليدي تعود إلى عام 1831 أي قبل نشأته في مصر بــ 34 عاما حينما قامت بعض الدول الأجنبية، بناء على ما لها من امتيازات بإنشاء مكاتب بريد لها في مصر قبل أن تنظم مصر بريدها وتجعله مصلحة أميرية.
وأنشأت إنجلترا مكتبين لها أحدهما بالإسكندرية والآخر بالسويس وأنشأت فرنسا مكتبين أحدهما بالإسكندرية والآخر ببورسعيد أما النمسا واليونان وإيطاليا وروسيا فقد أنشَأوا مكاتب لهم بالإسكندرية ولكن كل هذه المكاتب تم الغاؤها في سنوات لاحقة، أما مؤسسة البريد المصرية الحديثة بدأت بفكرة من السيد "كارلو ميراتى" إيطالي كان يعيش في الإسكندرية حيث قام بإنشاء إدارة بريدية له على ذمته لتصدير واستلام الخطابات المتبادلة مع البلدان الأجنبية، وكان يتولى تصدير وتوزيع الرسائل نظير أجر على حسب ما ذكرته عدد كبير من المواقع ليس هذا فحسب بل أنه كان يقوم بنقل الرسائل بين القاهرة والإسكندرية وبعد وفاته خلفه ابن أخته " تيتو كيني" الذي شعر بأهمية المشروع وأشرك معه فيه صديقه "موتسي" ونهض بالمشروع على أقوى الأسس وأطلق عليه اسم "البوسطة الأوروبية".
من وقتها أخذت الفكرة في التوسع والانتشار وقامت "البوسطة الأوربية" بنقل وتوزيع مراسلات الحكومة والأفراد وحظيت بثقة الجمهور فيها وبعد افتتاح خطوط السكك الحديدية في مصر وامتدادها لأكثر من إقليم فتحت الشركة لها مكاتب في المحافظات التي وصل إليها القطار بل واستخدمت السكة الحديد في نقل إرساليات البريد بين القاهرة والإسكندرية وبالعكس بموجب عقد لمدة خمس سنوات اعتبارا من يناير 1856
بعد هذا التاريخ شعر الخديوي إسماعيل بأهمية "البوسطة الأوربية" وقام بشرائها من "موتسي" بعد وفاة شريكه "تيتو كيني" وكان ذلك في 29 أكتوبر 1864 وقد عرضت الحكومة المصرية على "موتسي" وقتها وظيفة مدير عام البريد، وفي 2 يناير 1865 تم نقل ملكية البوسطة الأوربية إلى الحكومة المصرية واعتبر هذا التاريخ يوما حافلا في ذاكرة الدولة المصرية وأصبح تاريخ للبريد المصري وعيدا له كل عام.
ومنذ هذا التاريخ مر البريد المصري بعدد من المراحل وآلت تبعيته لعدد من الوزارات وقام بعدد كبير من الأدوار واضيف اليه عدد من المهام إلى أن استضافت مصر عام 1934 المؤتمر العاشر لاتحاد البريد العالمي بالقاهرة وكان يوافق الذكرى رقم 70 لإنشاء مصلحة البريد المصرية، وبعد قيام ثورة يوليو 1952 تم تخصيص ميزانية مستقلة لمصلحة البريد وصار لها الحق في توجيه فائض إيراداتها في أعمال تحسين الخدمة البريدية والنهوض بها، وفي عام 1957 صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 710 بإنشاء هيئة البريد المصرية لكي تحل محل مصلحة البريد.
وفي عام 1961 تم إنشاء أول مدرسة ثانوية للبريد بقرار من رئيس الجمهورية، وفي عام 1965 تم إنشاء المعهد العالي للشؤون البريدية الذي انضم فيما بعد إلى كلية التجارة بجامعة حلوان عام 1975.
وفي عام 1966 صدر قرار رئيس الجمهورية بإنشاء الهيئة العامة للبريد لكي تحل محل هيئة البريد؛ وفي عام 1970 صدر القانون رقم 16 بنظام البريد المصري، وفي عام 1982 صدر القانون رقم 19 بإنشاء الهيئة القومية للبريد لكي تحل محل الهيئة العامة للبريد وتتبع وزارة المواصلات.
الجميل في الأمر أن الهيئة بتطورات مراحلها طورت هي أيضاً من نفسها كي تواكب متطلبات المرحلة الحالية من شمول مالي وخدمات جماهيرية للتواصل مع المواطنين خاصة وأنها كانت المصدر الأول لنقل الإرساليات والمعلومات والطرود والشحن وظلت تطور من نفسها إلى المرحلة التي وصلت عليها الهيئة اليوم من توسيع لمكاتبها وتطوير أدوات عملها وإدخال الرقمنة إلى دولاب العمل بها وأصبحت تقدم العديد من الخدمات البريدية والحكومية والمالية والإليكترونية وخدمات أخرى مثل الشهادات الادخارية والتوفير وخلافه من الخدمات الجماهيرية لتستمر وتصبح أقدم سوشيال ميديا في مصر.