جمال رائف
الهدف مصر، بل بالتحديد سيناء وأرضها المباركة، لهذا تجدها حاضره بالمشهد حتى قبل ذلك الحين، فهي جزءٌ لا يتجزأ من أحلام مزعومة لطفل راعي البقر الأمريكي المدلل إسرائيل، وبعد أن أثبتت التجربة في 6 أكتوبر عام 1973 استحالة المواجهة مع مصر، ظهرت مصطلحات الفوضى الخلاقة، والشرق الأوسط الجديد مع بداية الألفية الجديدة؛ بهدف إعادة تشكيل المنطقة على هوى إسرائيل، وللأسف سقطت العواصم بعد بغداد واحدة تلو الأخرى، وبقيت القاهرة عصية، وعقبة أمام تحقيق تلك الطموحات الواهية.
يمكن القول إن هناك مقاومة مصرية وجدت منذ عام 1984، رافضة لوجود وتوسع الكيان الصهيوني بالمنطقة، وخاصة نحو الأراضي المصري، لهذا ضحى المصريون بأرواحهم عام 1984 في حرب فلسطين، وتعرضت مصر للعدوان الثلاثي عام 1956، ثم العدوان الإسرائيلي عام 1967، والذي ظهر خلاله نوايا إسرائيل التوسعية باتجاه مصر وسوريا والأردن وأيضا لبنان، وانتصرت الإرادة المصرية، وسحقت الطموحات الإسرائيلية بعد أن حققت مصر أول نصر عربي على الكيان الإسرائيلي عام 1973، إنها محطات يجب أن نتذكرها ونصل بينها والحاضر الذي هو امتداد لتلك الأحداث.
المواجهة والمقاومة العسكرية
المقاومة والتصدي المصري الرافض للتغيير الإقليمي والتوسع الإسرائيلي على حساب الأراضي المصرية، اتخذ عدة أشكال على مدى العقود الماضية، وهذا بتغيير نمط المحاولات الإسرائيلية للتمديد الخارجي، فمنذ عام 1984 وحتى تحقيق نصر أكتوبر المجيد عام 1973، كانت المقاومة المصرية على الصعيد العسكري، وفق ما فرضته المعركة حينها من أدوات حرب عسكرية مباشرة، ونجح الجيش المصري العظيم، في حسم تلك المواجهة، وقاوم عسكريًّا بما أفشل تقدم هذه الآلية التوسعية لإسرائيل نحو الأراضي المصرية.
الفوضى الخلاقة والمقاومة الشعبية
لم يكن أمام الآخر سوى أن يضع مصر مع بداية العقد الثاني من هذا القرن، داخل فوضى إقليمية تحت مسمى الفوضى الخلاقة، وكانت ثورات الخريف العربي والجماعات الإرهابية، ضمن أدوات إفشال الدول من الداخل ما يتيح استباحة الحدود، واختراق السيادة، ونهب المقدرات، وهو ما تحقق في بعض دول الإقليم العربي، والتي دخلت الآن دائرة الاستهداف الإسرائيلي المباشر، مصر في تلك المرحلة اعتمدت على معركة الوعي، واستطاع الشعب المصري التصدي لهذا المخطط، وتمسك بمفردات دولته الوطنية، ما ساهم في تقوية مؤسسات الدولة مجددا، والتي بدورها تصدت لمخاطر الإرهاب، حيث يمكن القول إن في تلك المرحلة كانت المقاومة الشعبية لمخطط الفوضى الخلاقة والمقاومة الأمنية للإرهاب والتطرف هي سبل مصر للبقاء والاستمرار والمحافظة على سيادتها بعد أن خاضت معارك شرسة لتطهير سيناء من الجماعات الإرهابية ووكلاء الحرب، وهنا كانت لثورة 30 يونيو المجيدة الدور الأهم بل هي كانت المحرك الفعلي للمقاومة والرفض الشعبي لمخطط الفوضى.
صفقة القرن والمقاومة السياسية
استقرت مصر بعد عام 2014، وأسست لجمهورية جديدة، وبدأت في بناء قدرتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وامتلكت مفردات القوة الوطنية الشاملة، وأصبح من الصعب بل من المستحيل إنفاذ مخططات التوسع الإقليمي نحوها حتى في ظل محاصرتها بدول جوار مشتعلة بأركانه النيران، حالة صمود وتكاتف شعبي مع القيادة السياسية، صنعت وحدة صف داخلي، لهذا ذهب الطرف الآخر لطرح الصفقات المباشرة، وكانت صفقة القرن، وظهرت المقاومة السياسية لتلك الفكرة التي كانت تحاول النيل من الأراضي المصرية، وكان القرار السياسي، أن هذه الصفقة لن تكون على حساب السيادة المصرية، وبالفعل الرفض المصري لوضع الأراضي المصرية وهنا الحديث بالتحديد عن سيناء، ضمن أي صفقة لتصفية القضية الفلسطينية كان ولا يزال مرفوضًا بشكل حاسم لا نقاش فيه، وبالفعل نجح الرئيس عبد الفتاح السيسي من تحقيق العبور الأمن بمصر، بعيدًا عن تلك الصفقات محافظًا على سيادة الوطن وسلامة أراضيه بعد أن شكلت مصر عقبة حقيقية أمام إنفاذ تلك الصفقة.
الحرب الإقليمية والمقاومة الاقتصادية
وصلت محطة المقاومة المصرية لمخططات النيل من سيادتها واستقرارها أصعب المراحل على الإطلاق في ظل حرب إقليمية واسعة النطاق تُحيط بمصر، وتلقي بظلالها السلبية على الصعيد الأمني والسياسي والاقتصادي، للاقتراب أكثر من الوضع المصري الراهن في ظل هذا العراك الإقليمي والدولي، حيث يجب تتبع مسار المقاومة المصرية لكل الضغوط المفروضة عليها؛ من أجل الانخراط في هذا العراك الإقليمي أو التنازل عن السيادة وتصفية القضية الفلسطينية.
ومع بداية الحرب على غزة ظهرت المقاومة السياسية لتلك الضغوط عبر القيادة السياسية ودوائر العمل السياسي المصري، من أحزاب ومجتمع مدني، وكانت الانتخابات الرئاسية من صنيعة الأقدار، لتأتي في التوقيت المناسب وتؤيد القرار السياسي الرافض لتصفية القضية الفلسطينية أو المساس بالسيادة المصرية، بالتوازي كانت وما زالت تتزايد المخاطر الأمنية على كل الحدود المصرية، وهنا أيضًا المقاومة المصرية على هذا الصعيد، وارتكازات على قوة الردع التي يحققها الجيش المصري العظيم، وهو ما أبطل تلك الضغوط، لينتقل الضغط على الداخل المصري لمرحلة أصعب، وهي العودة مجددًا إلى محاولات إفشال الداخل عبر ضغوط اقتصادية تحققها المهددات الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب، بما يضر بالاقتصاد المصري الذي يقاوم حتى الآن تبعات جائحة كورونا الاقتصادية وأيضًا الحرب الروسية الأوكرانية، لتصبح الضغوط الاقتصادية على الداخل المصري نِتاج الأوضاع الخارجية مضاعفة.
وهنا يأتي مجددًا دور المقاومة الشعبية التي عليها أن تستيقظ لطبيعة الأوضاع الاقتصادية الداخلية، واستخدام الأطراف الخارجية لها كأداة ضغط لتفجير الأوضاع في الداخل المصري، لإضعاف القرار السياسي المصري، الذي يقف صامدًا أمام محاولات النيل من الوطن، حيث يمكن القول إننا الآن في مرحلة المقاومة المصرية الشاملة لحرب إقليمية واسعة النطاق، ولتجنب آثارها السلبية على الداخل المصري؛ يجب التمسك بسياج الدولة الوطنية ومقاومة كل الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية القادمة من الخارج بالتوازي، وهو ما يضاعف تأثر الشارع المصري بالضغط الاقتصادية بالتحديد، وهنا تعود معركة الوعي لصدارة المشهد المصري، فهي تمثل أولوية عمل لإيقاظ الوعي الجمعي المصري بالواقع الخارجي، واتصاله وتأثيره على الداخل المصري، وأهمية وحدة الصف الداخلي، ودعم الاستقرار، وبقاء الوطن، لنحيا وتحيا مصر.