البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
يحتفل العالم أجمع خلال ساعات - ومصر في القلب منه - بعيد العمال الذي يواكب الأول من شهر مايو من كل عام، والاحتفال بهذا اليوم يعد بمثابة تقديم الشكر من الحكومات لعمالها تقديرا لجهودهم وتأكيدًا على حقوقهم وتنبيهًا على الآليات الضرورية لتحسين بيئة العمل لديهم على كل المستويات وفي مقدمتها الأجور.

لكن الاحتفالات بقيمة العمل وأهمية العامل في مصر تختلف عن كل بلدان العالم، نظراً لأن المصري بطبعه يحب العمل ويقدره، وما يدلل على ذلك اللفظ المجتمعي "الإيد الشقيانة" تعبيرا عن العامل المخلص في عمله والمقدر لقيمته، وكان المصريين القدماء أول من كرموا العامل وقدروه وعرفوا أهمية وقيمة العمل في حياتهم، والنقوش على المعابد والمقابر خير شاهد ودليل على ذلك، حيث كان الملك "أمنحتب الأول" هو أول من ابتكر فكرة تكوين طائفة خاصة من العمال والفنانين، واستقر هؤلاء العمال في قرية تعرف باسم "دير المدينة" وكانت محاطة بسياج وتتألف من سبعين منزلا بملحقاتها.

ومع تطور الأيام وتوالي الملوك كانت طائفة العمال تتألف من 60 إلى 120 عاملا يقسمون إلى قسمين، كل قسم يخضع لسلطة رئيس عمال يحمل كل منهما لقب "كبير الفرقة أو المجموعة"، وكانت الدولة تمنح العمال وذويهم حصص تموينية تعرف بنظام "الجرايات"، وكان أجرهم يدفع في شكل مواد عينية تصرف شهريا من مخازن الدولة وكانت تتمثل في "القمح والشعير والأسماك والخضراوات وماء الشرب" وكانت هناك حوافز الاجتهاد في العمل وتدفع أيضاً في شكل عيني يتمثل في "البلح والجعة".

وبالعودة إلى تاريخ النضال العمالي في العالم والذي تعود خلفياته إلى القرن التاسع عشر نجد أن مصر القديمة هي أول من عرفت وقامت بالثورات العمالية والدليل الثورة التي حدثت في عهد الملك "بيبي الثاني" في عهد الأسرة السادسة بعد أن بلغ من العمر 94 عاما وازداد ضعفه وترك السلطة لبعض أفراد الجهاز الإداري، وتعتبر هذه الواقعة "أول ثورة عمالية في التاريخ" أو حسب ما يذكره المؤرخين "أول ثورة اجتماعية في تاريخ الإنسانية".

وهناك برديات سلطت الضوء على هذه الثورة مثل بردية "أيبور" و بردية "هاريس" ونبوءة "نفرتي" وبردية "اليأس من الحياة".

ويكشف لنا المؤرخون أن هناك الثورة العمالية التي وقعت في عهد الملك "رعمسس الثالث" كأول إضراب عمالي في التاريخ وهو ما ذكرته بردية "هاريس" و"تورينو" حيث نظم العمال إضرابهم في العام 29 من حكم الملك واستمر ثلاثة أيام، وكانت أسبابه انهاك خزينة الدولة بسبب الحروب التي خاضها الملك إلى جانب سيطرة الكهنة على ثروات البلاد، الأمر الذي أدى إلى عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه عمالها وتأخر استلامهم مخصصاتهم العينية أكثر من مرة.

وتتوالى بعد ذلك حياة العمال في مصر لتصل إلى احترافهم مهنة الزراعة والصناعة وتشكيل الخشب ومهنة الصيد وغيرها مرورا ببناء الأهرامات وزراعة الأراضي وتشييد المصانع، وتدخل مصر في مرحلة تلو الأخرى من الحضارة والبناء وأنظمة الحكم المختلفة وجميع هذه المراحل يعد العامل المصري فيها هو كلمة السر في بناء الحضارة الإنسانية.

لنصل في الوقت الراهن إلى جملة من الإنجازات قدمها العامل المصري لبناء دولته و مجموعة من التحديات فرضتها عليه الظروف الدولية الراهنة والتحديات العالمية، ورغم ذلك كان العامل المصري رمانة الميزان خلال العشر سنوات الماضية التي قدم فيها مزيدا من الجهد وقدمت أمامه الدولة مزيدا من خطط وبرامج الحماية والرعاية سواء للعمالة المنتظمة أو غير المنتظمة، ولم تترك الدولة فردا أو فئة إلا وكان لها نصيب من أوجه الحماية الاجتماعية حيث تم التأكيد على كافة منشآت القطاع الخاص والقطاع العام وقطاع الأعمال العام بالالتزام بالنسبة المقررة قانونا "5%" لتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة والعمل على دمجهم في المجتمع وسوق العمل بعد تأهيلهم وتدريبهم، حيث أعلنت وزارة العمل عن تعيين أكثر من 14 ألف من الأشخاص ذوي الإعاقة داخل عدد من المنشآت التابعة للقطاع الخاص على مستوى الجمهورية خلال الفترة من أول يناير 2023 وحتى الآن.

والمتابع لجهود الدولة المصرية خلال السنوات العشر الماضية يلحظ عدد من المؤشرات الإيجابية التي قامت بها الدولة رغم كل التحديات التي تواجهها ومنها: إطلاق المنصة الوطنية لمعلومات سوق العمل، وكذلك تحقيق المساواة بين الجنسين في مجال العمل، وتشجيع الشباب على الاندماج في العمل الحر وريادة الأعمال، وإطلاق مشروع "مهني 2030" ،والقضاء على قياسات مستوى المهارة غير الحقيقية، واعتماد شهادات التدريب من المؤسسات الدولية المعتمدة بعد اعتماد المعايير التي يقوم عليها التدريب، وافتتاح "وحدة ما قبل المغادرة" لتوعية المصريين الراغبين في العمل في الخارج بحقوقهم وواجباتهم، و إطلاق الخطة الوطنية للمساواة بين الجنسين في مجال العمل عام 2022، وتدشين صندوق إعانات الطوارئ للعمال وهو تابع لوزارة العمل، وإعداد مشروع قانون العمل والمعروض ملاحظاته حاليًا على لجنة قانونية لصياغتها تمهيدًا لعرضها على المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي في مجال العمل، وصدور قانون المنظمات النقابية، وحماية حق التنظيم النقابي، وإطلاق عدد من التشريعات العمالية بما يتماشى مع معايير العمل الدولية، وتصديق مصر على عدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمجال العمل وحقوق العمال، وارتفاع عدد المشروعات القومية العملاقة التي ساهمت في خلق فرص عمل جديدة.

ومن المؤشرات الإيجابية أيضاً لجهود الدولة المصرية فيما يخص الحياة العمالية خلال العشر سنوات الماضية نجد تدشين قاعدة بيانات عن أعداد الشباب الراغب في السفر للعمل بالخارج لتلبية طلبات بعض البلدان الراغبة في عمال مهن محددة، وتراجع معدلات البطالة من 13% عام 2014 إلى 6.9 % في 2024 والسبب في ذلك المشروعات القومية التي نفذتها الدولة المصرية وساهمت في توفير الملايين من فرص العمل في كافة المجالات، واستوعبت أعدادًا كبيرة من العمالة غير المنتظمة، وفيما يخص المرأة وجهت الدولة بزيادة معدلات تشغيل النساء، وتنمية مهاراتهم، وحماية المرأة العاملة، وفيما يتعلق بزيادة الأجور للعاملين بالدولة نجد التوجيهات المستمرة من القيادة السياسية في النظر وبشكل دوري في إقرار زيادات مستمرة لعمال القطاع الخاص، وبالنسبة لعمال قطاع الأعمال والمؤسسات الحكومية تم رفع الحد الأدنى للأجور لهم بنسبة 50 %، علما بأن زيادة الحد الأدنى للأجور وصل 5 أضعاف خلال 6 سنوات من 1200 جنيه في 2018 إلى 6000 جنيه في الحزمة الأخيرة عام 2024، مع الوعد بأن تشهد آليات حماية العمال أكبر حزمة اجتماعية عاجلة للحماية الاجتماعية.

وكما كان الحديث في بداية المقال عن أهمية العمل عند قدماء المصريين فلابد أن نتذكر أقوالهم وحكمتهم فقد قال "بتاح حتب" عن الاجتهاد والعمل "كن مجتهدا في كل وقت وافعل أكثر مما هو مطلوب منك ولا تضيع وقتك إذا كان في إمكانك أن تعمل فمكروه ذلك الذي يسيء استخدام وقته ولا تضيع فرصة لزيادة ثروات بيتك، فإن العمل يأتي بالثروة، والثروة لا تدوم إذا هجر العمل".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز