البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
كلمات معبرة قالها يوما ما الفيلسوف الروسي "تولستوي" وهي أن الجرائد نفير السلام وصوت الأمة وسيف الحق القاطع ومجيرة المظلومين وشكيمة الظالم، فهي تهز عروش القياصرة وتدك معالم الظالمين، وهو ما يثبت لنا اليوم ما تقوم به سلطات الاحتلال الاسرائيلي من قمع للصحفيين وإطلاق الرصاص الحي على أقلام كتاب الرأي، والتنكيل بالصحفيات وكسر عدسات المصورين حتى يتم طمس الحقيقة للحفاظ على عروش القياصرة.

واليوم في الوقت الذي يحتفل فيه العالم أجمع باليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من مايو من كل عام، نجد أنفسنا أمام وأد حقيقي وعلني لحرية الصحافة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقصف للأقلام، واستهداف للعدسة والميكروفون حتى لا يصل صوت الحق لشعوب العالم وحكامه، وحتى يتم طمس الحقيقة، لكن سلطات الاحتلال الغاشمة نسيت ما قاله الكاتب الفرنسي الشهير "فولتير" وهو أن "الصحافة آلة يستحيل كسرها، وستعمل على هدم العالم القديم حتى يتسنى لها أن تنشئ عالما جديدا" الأمر الذي يخيف أصحاب الادعاءات الزائفة في هذه الدولة المارقة.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة يصم العالم آذانه ويغمض عينيه عن الجرائم التي ارتكبت بحق الصحفيين والإعلاميين وكتاب الرأي في فلسطين، وحسب ما أعلنته نقابة الصحفيين الفلسطينيين فإن هناك 102 عامل في القطاع الإعلامي استُشهدوا منذ  7 أكتوبر من العام الماضي وصولا لنهاية العام، يضاف إليهم استشهاد 33 عاملا في نفس القطاع منذ بداية العام الجاري وحتى تاريخ اليوم 3 مايو الموافق اليوم العالمي لحرية الصحافة ليصبح إجمالي الشهداء العاملين في المؤسسات الصحفية والإعلامية في فلسطين 135 شهيداً منذ  7 أكتوبر الماضي 2023.

وحسب التقارير التي أعدتها نقابة الصحفيين الفلسطينيين، فإن هناك 100 صحفي وصحفية اعتقلوا منذ 7 أكتوبر الماضي، تبقى منهم رهن الاعتقال الإداري 45 صحفيا ولا يزال 4 صحفيين في عداد المفقودين، كما دمرت سلطات الاحتلال 86 مكتبا ومؤسسة إعلامية تدميرا كليا أو جزئيا، واقتحام وتدمير وإغلاق 16 مكتبا صحفيا، وتوقف 25 إذاعة محلية في غزة عن العمل، وشهد العام الحالي 2024 منذ بدايته وحتى كتابة المقال إصابة 18 من الصحفيين والصحفيات بالرصاص، و 19  بشظايا الصواريخ، و 19 بالاعتداء بالضرب والتنكيل، ووقعت 5 حالات إطلاق نار تهديدي باتجاه الصحفيين، و 39 حالة احتجاز ومنع من التغطية والتصوير، و36 حالة مصادرة وتحطيم معدات العمل، و18 حالة اقتحام ومداهمة لمنازل الصحفيين.

ومنذ 7 أكتوبر الماضي وإلى اليوم استشهدت 33 عائلة من عوائل الصحفيين نتيجة قصف بيوتهم، لنجد أنفسنا أمام أرقام مرعبة حيث تخطى عدد الصحفيين الذين فقدوا حياتهم جراء الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر الماضي وحتى اليوم مجموع الصحفيين الذين قتلوا بالعالم بين عامي 2021 و 2022، حيث أكدت الأرقام الرسمية الصادرة عن المؤسسات الصحفية في العالم ووفقا لبيانات  المنظمات الدولية فإنه بين عامي 2021 و 2022 قتل 109 من الصحفيين وموظفي الإعلام حول العالم.

والمتتبع للتاريخ الدموي لسطات الاحتلال الإسرائيلية يلحظ استهدافهم بشكل مباشر لحرية الرأي ولنا في الشهيدة "شيرين أبو عاقلة" الصحفية الفلسطينية عظة وعبرة حيث اغتالتها رصاصات الغدر الإسرائيلية في صباح يوم 11 مايو 2022 أثناء تغطيتها لاقتحامهِم مخيم جنين، وما هي إلا أيام قليلة وتمر الذكرى الثانية لاستشهادها والتي تزامنت أيضاً في نفس الشهر الذي يحتفل فيه العالم بحرية الصحافة.

وكما تقول الكلمات الدالة على الحرية "إن عشت فعش حرا أو مت كالأشجار وقوفا" هو بالفعل ما شاهدناه من استشهاد الصحفيين والإعلاميين وقوفا خلال دفاعهم عن نقل الصورة البشعة التي تقوم بها سلطات الإحتلال للعالم، حيث أصر المصور الفلسطيني "منتصر الصواف"، على مواصلة عمله ونقل الحقيقة والتقاط صور معبرة عن مدى عنف الهجمات الإسرائيلية رغم فقدانه أسرته بالكامل ومن بينهم والده ووالدته وشقيقاه وأطفالهما، وأصيب هو نفسه و45 من أقربائه في غارات بشمال قطاع غزة يوم 18 نوفمبر من العام الماضي، ورغم كل ذلك والإصابة التي لحقت به إلا أنه فقد حياته مع شقيقه مروان في غارة جوية إسرائيلية أمام منزله ديسمبر الماضي بعد شهر تقريبا من استهداف عائلته بالكامل.

وهناك الصحفي الفلسطيني "وائل الدحدوح" الذي فقد زوجته وابنه وابنته وحفيدته في غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً نزحوا إليه وسط قطاع غزة في أكتوبر الماضي وبعدها بأسابيع أصيب هو نفسه وقتل وقوفا كالأشجار زميله المصور "سامر أبو دقة" بقصف إسرائيلي خلال تغطيتهم للأحداث بمدينة خان يونس، ليجد الدحدوح نفسه بعدها مشيعا لنجله الأكبر في غارة إسرائيلية استهدفت سيارته وبعد نجله الأكبر شيع والدته.

وبالعودة مرة أخرى إلى مناسبة هذا المقال والمتعلقة باليوم العالمي لحرية الصحافة وهو اليوم الذي حددته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" لتحيي من خلاله ذكرى اعتماد إعلان ويندهوك التاريخي الذي تم في اجتماع للصحفيين الأفارقة في 3 مايو 1991، وكان الهدف منه  تذكير الحكومات بضرورة احترامها لحرية الصحافة وضمان بيئة إعلامية حرة وآمنة للصحفيين، وقد خصصت الأمم المتحدة هذا اليوم لتعريف الجماهير بانتهاكات حق الحرية في التعبير، والتذكير بالعديد من الصحفيين الذين واجهوا الموت أو السجن في سبيل القيام بمهماتهم في تزويد وسائل الإعلام بالأخبار اليومية، من هنا بات على العالم بجميع مؤسساته الثقافية والإعلامية والصحفية وكافة المؤسسات التي تعمل في مجال حرية الرأي والتعبير والمنظمات الدولية بضرورة الإدانة بالقول والفعل للممارسات الإسرائيلية التي تتم بحق الشعب الفلسطيني الأعزل بشكل عام والممارسات التي تتم بحق الصحفيين والإعلاميين الفلسطينيين بشكل خاص، وإدانة الاستهدافات المباشرة لهم ولعلائلاتهم وأقلامهم وعدسات كاميراتهم حتى لا يتم نقل الحقيقية.

وإذا فكرنا في الالتزام الدولي الذي أقرته الأمم المتحدة في هذا اليوم فإنه بات على كل الأطراف حكومات وشعوب أن تتضامن من أجل حرية الرأي والكلمة حتى يتم نقل الحقيقة وما يدور في الأراضي الفلسطينية من مجازر وما يشهده العالم من حروب بكل مصداقية وشفافية وأن تكون هناك وقفة رادعة لكافة هذه الممارسات إذا كنا وبحق نتحدث عن حالة حقوق الإنسان فأبسط ما يمكن أن أؤكده أننا أمام حالة من الكيل بمكيالين فالدول التي تغتال حرية الصحافة هي أول من يندد بالممارسات بحق الصحفيين في دول أخرى، حيث اغتالت قذائف الصواريخ الإسرائليلة والحروب الدائرة في العالم طلقة الحبر الصحفية ورصاصة العدسات الإعلامية ليتحقق لها اغتيال الإنسانية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز