البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
اتجهت أنظار العالم، خلال الساعات الماضية، إلى فعاليات القمة العربية الثالثة والثلاثين، والتي عقدت في البحرين، بحضور ملوك، ورؤساء وقادة الدول العربية.

تأتي القمة العربية في وقت بالغ الأهمية، وسط التداعيات والأزمات التي تشهدها المنطقة العربية والشرق الأوسط، وما يشهده العالم من صراعات لها مردود وانعكاس مباشر على الأوضاع في المنطقة، وفي مقدمة كل هذه الأزمات ما يدور في الأراضي الفلسطينية، وما يشهده قطاع غزة من حرب إبادة جماعية يشهدها العالم، ولا يعترف بها ولا حتى يجرؤ على إدانة دولة الاحتلال المارقة على أفعالها بحق المدنيين والبنية التحتية وسياسة العقاب الجماعي للفلسطينين.

وتأتي القمة العربية الثالثة والثلاثون، وسط ما تشهده منطقة البحر الأحمر من صراعات والهجمات التي تشنها جماعة الحوثيين اليمنية على السفن التجارية في البحر الأحمر؛ ردًا على العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة؛ الأمر الذي كانت نتيجته شل حركة التجارة العالمية؛ مما شكَّل أثرًا سيئًا في تصاعد الأضرار الاقتصادية على شعوب المنطقة والدول المجاورة وفي مقدمتها مصر.

ويأتي توقيت القمة أيضًا، وسط الصراع الدائر في السودان، وتعرض حياة 18 مليون شخص لخطر المجاعة، هذا بخلاف مناطق التوتر الأخرى في المنطقة؛ ومنها لبنان، وسوريا، والهجمات الأخيرة في العراق، ومالي للدرجة التي باتت فيها معظم الدول العربية، وسط حالة من الصراع المتأجج.

هذا، بخلاف تطرق القمة العربية إلى فكرة الأمن المائي العربي، والذي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى، لكن المشهد الأبرز والأقوى وما سيطر على مناقشات ومباحثات القمة هو الوضع في غزة، وصمت المجتمع الدولي، وعجز القرار العربي، وسيطرة الفيتو الأمريكي على المباحثات العالمية بعد قيام الولايات المتحدة الأمريكية باستخدامه 4 مرات لمنع وقف الحرب وحصول فلسطين على عضوية الأمم المتحدة.

والمتابع اليوم لحديث القادة العرب، وبيان القمة خاصة فيما يتعلق بالحرب على غزة، يلاحظ أنه لم يخرج عن فكرة الإدانة؛ مثل كل مرة تعقد فيها قمة عربية عادية، أو طارئة؛ حيث قال ملخص بيان القادة العرب: "ندين بأشد العبارات استمرار العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، والجرائم التي ارتُكبت ضد المدنيين من الشعب الفلسطيني، والانتهاكات الإسرائيلية غير المسبوقة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك استهداف المدنيين والمنشآت المدنية واستخدام سلاح الحصار والتجويع ومحاولات التهجير القسري، وما نتج عنها من قتل وإصابة عشرات الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء".

لكن وسط كل التداعيات والأجواء الخاصة بالقمة، كانت كلمات الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، والتي وضعت وبحق المجتمع الدولي وحكوماته في موقف المتحرِّج أمام نفسه، حينما قال "إن أطفال فلسطين الذين قُتل ويُتّم منهم عشرات الآلاف في غزة ستظل حقوقهم سيفًا مسلطًا على ضمير الإنسانية حتى إنفاذ العدالة من خلال آليات القانون الدولي ذات الصلة".

ونوه السيد الرئيس في حديثه وكلمته التي اعتبرها خبراء السياسة والمحللين أنها كانت بمثابة الكلمة التي كشفت غطاء السترة عن العالم، حينما قال: "بينما تنخرط مصر مع الأشقاء والأصدقاء في محاولات جادة و مستميتة لإنقاذ منطقتنا من السقوط في هاوية عميقة، فإننا لا نجد الإرادة السياسية الدولية الحقيقية الراغبة في إنهاء الاحتلال ومعالجة جذور الصراع عبر حل الدولتين، ووجدنا إسرائيل مستمرة في التهرب من مسئولياتها، والمراوغة حول الجهود المبذولة لوقف إطلاق النار بل والمضي قدماً في عمليتها العسكرية المرفوضة في رفح، فضلاً عن محاولات استخدام معبر رفح من جانبه الفلسطيني لإحكام الحصار على القطاع".

والمتابع الجيد لكلمات الرئيس عبدالفتاح السيسي أمام القمة العربية؛ يلحظ أنها الكلمة الأقوى والتي دلَّت في كل عباراتها عن قوة مصر في موقفها، وتماسَّت بحروفها مع كل ما يشعر به شعوب العالم من احتقان أمام صمت حكوماتهم، وأنه الرئيس الوحيد في القمة وعلى مستوى رؤساء وزعماء العالم في جميع تصريحاتهم الذي لم يتوارَ خلف عبارات مسيَّسة، أو دبلوماسية؛ بل إنه كان كاشفًا للوضع عندما قال "إن مصير المنطقة ومقدرات شعوبها أهم وأكبر من أن يمسك بها دعاة الحروب والمعارك الصِفرية".

وكان واضحًا في إبراز الدور المصري عندما أوضح أمام القمة التي كما نعلم جميعا أن هناك من الملوك والرؤساء من يريد أن يتصدر المشهد فيها على الرغم من صمته، وصمت بلاده وشعوبه عن حرب الإبادة على أرض غزة، وقال "إن مصر التي أضاءت شعلة السلام في المنطقة عندما كان الظلام حالكا ،وتحملت في سبيل ذلك أثمانا غالية وأعباء ثقيلة لا تزال على الرغم من الصورة القاتمة حاليًا، متمسكة بالأمل في غلبة أصوات العقل والعدل والحق لإنقاذ المنطقة من الغرق في بحار لا تنتهي من الحروب والدماء".

وأضاف: "إن مصر ستظل على موقفها الثابت فعلاً وقولاً برفض تصفية القضية الفلسطينية ورفض تهجير الفلسطينيين أو نزوحهم قسرياً أو من خلال خلق الظروف التي تجعل الحياة في قطاع غزة مستحيلة بهدف إخلاء أرض فلسطين من شعبها".

وفي رأيي المتواضع، بات على كل حكومات العالم العربي، ورؤساء وملوك العالم الإنصات لما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسي عندما خاطبهم بالقول: "إن هذه اللحظة الفارقة تفرض على جميع الأطراف المعنية الاختيار بين مسارين: مسار السلام والاستقرار والأمل أو مسار الفوضى والدمار الذي يدفع إليه التصعيد العسكري المتواصل في قطاع غزة".

وهنا أصبح الجميع مطالب بمسؤوليته نحو إدانة الممارسات الإسرائيلية في المنطقة بشكل عام وفي قطاع غزة بشكل خاص ومطالبة المجتمع الدولي بوقف هذه الممارسات الوحشية، والإبادة الجماعية ووضع حد لهذا الأمر.

ليس هذا فحسب؛ بل والمطالبة بتقديم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو للمحكمة الجنائية الدولية كمجرم حرب، ومطالبة شعوب العالم بأن يكون سلاح المقاطعة لديها، هو الخيار الشعبي طالما سكتت حكوماتهم عن التدخل السياسي.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز