د.رانيا أبو الخير
وهنا أمرين مُهمين، الأول أن مصداقية الإعلام الأمريكي أضحت نسجًا من الخيال، فالتشدق بالموضوعية والحياد والمهنية في الإعلام كشعارات يرفعها الإعلام الأمريكي في وجه مُختلف وسائل الإعلام الدولية الأخرى، قد كشفت أحداث غزة زيفها وكذبها ونفاقها، فأين تلك الموضوعية والمهنية فيما يجرى من جرائم ضد الإنسانية واعتداءات غير قانونية وانتهاكات غير أخلاقية ترتكبها دولة الكيان الصهيوني بحق أبناء الشعب الفلسطيني؟ لماذا لم تُسلط مثل هذه الوسائل الإعلامية الضوء على ذلك المشهد المأسوى اللا إنساني الذي يجري في الأراضي الفلسطينية المُحتلة، ويشهد تصعيدًا غير مسبوق خاصة مع محاولات إسرائيل الإقدام على اجتياح رفح بما يُزيد من الأزمة، ويُعقدها بشكل يصعب التوصل إلى حل يوقف تلك المأساة الإنسانية.
الأمر الثاني، أن قدر مصر أن تتحمل مسئوليتها تجاه الأشقاء في المنطقة العربية، وأن هذا التحمل يجعل الآخرين يوجهون سهام النقد إليها، وإلى سياستها الحكيمة التي تصب في مصلحة شعوب المنطقة وأمنها واستقرارها، ورفض أية أجندات هدامة مُدمرة لدول المنطقة، كما يحدث اليوم في كثير من دولها.
لا يوجد عاقل يُمكنه أن يُنكر الدور المصرى، سياسيًا وأمنيًا بل وقبل ذلك إنسانيًا، دعمًا للشعب الفلسطيني والشعوب العربية التي تُعانى دولها من حروب وصراعات، والمُتابع للسياسة المصرية منذ بدء أحداث السابع من أكتوبر 2023، وحتى اليوم يتأكد من حجم الدور الذي تلعبه مصر في التخفيف من حدة الأزمة، ومحاولة احتوائها عبر مُفاوضات مُستمرة للتوصل إلى هدنة توقف آلة الحرب، وتُعيد إحياء مسار العملية التفاوضية للوصول إلى تفاهمات وحلول سلمية تمنع محاولات إسرائيل للتهجير القسري، وفي الوقت ذاته تُحقق السلام العادل والشامل القائم على حل الدولتين.
خلاصة القول، إن ما نشره الإعلام الأمريكي عن الدور المصري في إدارة ملف التفاوض في الأزمة الراهنة، إنما يكشف عن حقيقة الإخفاق الأمريكي في المنطقة في ضوء تزايد حالات الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، ولذا يُحاول هذا الإعلام أن يُحمل الآخرين إخفاق السياسة الأمريكية، خاصة وأن الإدارة الأمريكية الحالية في موقف ضعف مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية، حيث تواجه رأى عام أمريكي تتصاعد فيه حجم الاعتراضات على السياسة الأمريكية وإخفاقاتها في العديد من الملفات الدولية بداية من الأزمة الأوكرانية وصولًا إلى أزمة الشرق الأوسط.
ورغم كل هذه الادعاءات والأباطيل، سيظل الجميع واعيًا ومُدركًا لدور مصر وجهودها الداعمة للسلام والاستقرار في المنطقة، بل لن أكون مُبالغة القول إن الجهود المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى هي من حركت مسار الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية المُستقلة احترامًا للشرعية الدولية، واتساقًا مع قواعد القانون الدولي وأحكامه.
د.رانيا أبوالخير
الأمين العام للمنتدى العالمي للدراسات المستقبلية