البث المباشر الراديو 9090
حسام الأمير
جاءت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، التي أعلن فيها أنه أبلغ "ملحق الدفاع الإسرائيلي" في الولايات المتحدة الأمريكية، بإضافة إسرائيل إلى الدول الأطراف المنضوية تحت "القائمة السوداء لقتل الأطفال" والمعروفة إعلاميًا ودوليًا بــ "قائمة العار"، لتلقي بظلالها على مشهد أكثر سوداوية و تهكمًا من تصريحات وقرارات ليس لها أي مردود أو تفعيل حقيقي على أرض الواقع وهو ما جعل الجميع يتساءل، وماذا بعد قائمة العار؟ هل مثلًا سيتم ملاحقة إسرائيل دوليًا وتوقيع عقوبات عليها؟ وهل تملك الأمم المتحدة وأمينها الذي أبسط ما يقال عن موقفه "تمخض الجبل فولد فأرًا أنَّ يطالب بجرأة وبقوة حاسمة ويمتلك القرار في عقاب إسرائيل بشكل حقيقي وليس معنوي؟. 

فالقائمة التي تمَّ الإعلان عن إدراج إسرائيل فيها تصدرها الأمم المتحدة سنويًا، وتضم داخلها دول ومنظمات وأحزاب وجماعات في رأي الأمم المتحدة إنها تنتهك حقوق الأطفال في مناطق النزاع والحروب، أو استهداف المدارس والمستشفيات، لكن العجيب والغريب في الأمر بكل ما تملكه الأمم المتحدة من صلاحيات فإن هذه القائمة معنوية وليست عقابية، وهو ما يساوى فقط التلميذ الذي يخالف قواعد مدرسته فيقوم مدير المدرسة بإدراج اسمه ضمن قائمة المحرومين مثلا من حصة الترفيه لمرة واحدة وهو ما يثير السخرية حقيقةً، وحتى إن كانت هذه القائمة معنوية فلماذا لم يدرج إسم إسرائيل فيها بشكل سنوي نظرًا لأنها كل يوم وساعة وثانية ترتكب نفس الأفعال بحق الأطفال والمستشفيات والمدارس وخلافه.

هذه القائمة التي يتم العمل بها منذ إقرارها عام 2002 من طرف الأمين العام للأمم المتحدة كان هدفها السامي هو وقف الانتهاكات التي تتم بحق الأطفال جراء النزاعات المسلحة، ومن يرتكب ذلك من الحكومات أو الأنظمة أو الجماعات يشكل الأمر بالنسبة له وصمة عار أمام المجتمع الدولي، على أن يستمر ضغط الشعوب والحكومات لإدانة هذه الممارسات التي تقوم بها الدول المدرجة حتى يتم إجبارها على الامتثال للقانون الدولي، وهو ما لم تفعله إسرائيل أو تلتزم به.

وهنا نأتي لسخرية أكبر في الحقيقة لأنك ببساطة بعد قيام الأمم المتحدة بإدراج إسرائيل في القائمة المعنوية أصبحت وكأنك تشكوا الابن لأبيه في مشهد تمثيلي تراجيدي أبسط ما يقال عنه انه تجسيد للمثل الشعبي لدى المصريين "أدعي على ابني واكره إللي يقوم عليه آمين". 

ليس هذا فحسب بل أن التجبر من الجانب الإسرائيلي والذي أحرج الأمم المتحدة أنه بعد علم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهذا القرار كان رده إنَّ الأمم المتحدة وضعت نفسها على القائمة السوداء للتاريخ، عندما انضمت إلى أنصار القتلة حماس، بل أن ما يدعو إلى الكوميديا أيضاً هو ما أضافه نتانياهو بأن "الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، ولن يغير أي قرار وهمي للأمم المتحدة ذلك".

لتتوالى بعدها ردود الفعل الإسرائيلية على القرار الذي جعل أنطونيو جوتيريش نفسه يندم على اتخاذه بعد أن وصف وزير خارجية إسرائيل يسرائيل كاتس القرار بأنه "عمل وضيع من الأمين العام، وسيكون له عواقب على علاقات إسرائيل مع الأمم المتحدة، وأنَّ إسرائيل ترفض القرار باشمئزاز، وهذا دليل آخر على عدائها لإسرائيل وتجاهلها المتعمد لهجوم حماس في 7 أكتوبر وأن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن النفس.

وتزيد البجاحة من عنوانها بكلمات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بقوله "انضمت الأمم المتحدة إلى حماس وأصبحت متعاونة مع الإرهاب وأنه عار لا مثيل له ويجب على إسرائيل ألَّا تلتزم الصمت حيال ذلك ويجب أن يكون الرد على هذا الحادث الخطير قويا وأن يشمل فرض عقوبات على موظفي الأمم المتحدة"، وهذه الجملة جعلتني بشكل شخصي ادخل في نوبة من الضحك المتواصل علني أصدق ما يحدث.

وبالعودة، إن كان الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم - حسب قول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - فدعونا نرصد أخلاقه بشكل واقعي:

هذا الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، هو الذي يمارس الانتهاكات ضد الأطفال في غزة والضفة الغربية.

هو الجيش الذي نفذ أعمال الإبادة بحق الفلسطينيين، هو الجيش الذي يمارس جرائم ضد الإنسانية، هو الجيش الذي قتل أكبر عدد من الأطفال والنساء والشيوخ والعاملين في قطاع الصحة والصحفيين والإعلاميين وموظفي الإغاثة.

هو الجيش الذي استهدف المخيمات وسيارات الإسعاف والمستشفيات والمراكز الطبية والمدارس والمباني الحكومية، هو الجيش الذي يخالف الأعراف الدولية في أبسط قواعد حقوق الانسان.

هو الجيش الذي خالف اتفاقيات جنيف وبروتوكوليها، هو الجيش الذي يمارس بشكل يومي عمليات التهجير القصري.

هو الجيش الذي استخدم الأسلحة المحرمة دوليا والقنابل العنقودية وقنابل الفسفور الأبيض، هو الجيش الذي ينفذ آلاف الغارات الجوية في مختلف أنحاء غزة والضفة كل أسبوع تقريبًا.

هو الجيش الذي يمارس سياسة العقاب الجماعي بحق الفلسطينيين ويحاصر شعبها ويحرمهم من الكهرباء والغذاء والوقود والمياه، وهي جرائم حرب محظورة بموجب معاهدة النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.

هو الجيش الذي قصف ودمر المصانع والمخابز ومخازن المواد الغذائية ومحطات المياه والخزانات والمقابر في جميع أنحاء قطاع غزة بأكمله، هو الجيش الذي نفذ المئات من الإعدامات الميدانية.

هو الجيش الذي قام بالتمثيل بجثث الشهداء حيث تمَّ اكتشاف مقابر جماعية تحوي جثث دون رؤوس وأجساد ودون جلود وبعضهم سرقت أعضاؤهم، هو الجيش الذي يستخدم المنشآت المدنية لأغراض عسكرية.

هو الجيش الذي يسيء معاملة المعتقلين ويقوم بإذلالهم، هو الجيش الذي نفذ كل الانتهاكات بحق الفلسطينيين منذ ما يقارب 5 عقود خاصة فى الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال القمع والتمييز والانتهاكات الممنهجة لحقوقهم.

بساطة هو الجيش الذي مارس الهولوكوست بحق الفلسطينين، دون رادع دولي، وفي تحد سافر لكافة الأعراف الإنسانية، ووسط صمت عالمي من كل الدول الكبرى، وبمباركة الولايات المتحدة الأمريكية رأس الأفعى في خريطة العالم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز