البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
في علم السياسة والاقتصاد هناك ما يعرف بـ "سياسة العين الواحدة "، ففي الطبيعي أنَّ من يمتلك النظرة الثاقبة والحكمة المتوازنة سيكون حكمًا عادلًا لأنه يرى الأمر بعينيه الاثنين، لكن عندما يراها بعين واحدة فقط سيكون هناك قصور كبير في التنفيذ والحكم وهذا هو الطبيعي.

لكن المشكلة أنَّ هناك من يرى بعينيه الاثنين لكنه يتعمد الحكم بعين واحدة، وهو بالفعل ما تفعله الهيئات والمؤسسات الدولية التي ترى بعين واحدة فقط مثلًا نرى منظمات دولية مشبوهة كثيرة ترصد في تقاريرها إدانات بالسلب للدولة المصرية في محاربتها للإرهاب والحفاظ على أمنها القومي، مستخدمة هنا فقط العين الواحدة وهي ترصد حيث لا ترى الدول التي ترعى وتغذي الإرهاب والإرهابيين، أو نجد البرلمان الأوروبي وغيره يتحدث عن أوضاع ليست موجودة في الساحة المصرية أو حتى على الساحة العربية ويدين بكل غباء وتبجح أي ممارسات هي في الأساس غير صحيحة، لكن من شدة الصدق عند تمثيلهم الكذب والإدعاء به أنه حقيقة تجده أحيانا كثيرة مقنعة لكن الجميع لا يرى أن هذا الرصد تمَّ التعامل فيه بسياسة العين الواحدة في وقاحة شديدة، وأكثر من يطبق سياسة العين الواحدة هي "هيئة الأمم المتحدة" فكل أجهزتها لا تملك سوى الإدانة لمن تريد أن تدينه ولا تملك أنَّ تتجرأ على من يحكمها معه مصالح مشتركة وفي المقدمة الكيان الصهيوني أو ممارسات الدولة الأمريكية والدول الكبرى العظمى طالما أن هناك مصلحة مشتركة تجمعها مع هذه الدول.

ومناسبة كتابة هذا المقال متعلقة بتاريخ اليوم 26 يونيو فطبقًا لأجندة الأمم المتحدة فهو اليوم العالمي للأمم المتحدة لمساندة ضحايا التعذيب، وهنا لا بد أن ندخل جميعًا في نوبة من الضحك الهستيري ففي الساعات التي تحتفل فيها الأمم المتحدة بهذه المناسبة هناك الآلاف من الشعب الفلسطيني يمارس بحقهم وفيهم كافة أشكال وأنواع التعذيب الممنهج وغير الممنهج وكافة ألوانه وصنوفه في صمت دولي يشهد له الجميع حتى الأمم المتحدة نفسها التي تحتفل بهذا اليوم من كل عام للتشهير ضد جرائم التعذيب وتقديم الدعم وتكريم ضحايا التعذيب والناجين منه في أنحاء العالم، والسؤال هل شهرت الأمم المتحدة بإسرائيل لممارساتها التعذيبية الفجة بحق المدنيين الفلسطينيين والأطفال والنساء وذوي الاعاقة؟، وهل قدمت الامم المتحدة على الأقل الدعم لهم أو الشجب والإدانة نظرًا لما يحدث بحقهم؟، وهل مثلا قامت بتكريم ضحايا التعذيب الناجين منهم أنّ كان هناك ناجيًا أصلًا؟.

والإجابة عزيزي "لا"، لأنها ببساطة تستخدم "سياسية العين الواحدة" ترى ما تفعله إسرائيل بحق الفلسطينيين ولا تدينه وتتعامي عنه، وترى ما يحدث للفلسطينيين من تعذيب وتهجير وقصف وعدوان وتقول في بياناتها أنَّ إسرائيل من حقها الدفاع عن نفسها، فأي منطق بالله عليكم يمكن أن نحترم أصلًا فكرة حقوق الإنسان التي تتشدق بها هذه الهيئة التي لابد من وصفها واتهامها بـ "الشذوذ السياسي"، حيث إنها تناقض نفسها لأنها ببساطة تقول في بروتوكولها "تدين الأمم المتحدة التعذيب باعتباره أحد أبشع الأعمال التي يرتكبها البشر ضد إخوانهم من بني البشر وهو ما لم تفعله حتى في شكل الإدانة.

وبمناسبة الاحتفال بهذا اليوم، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلنت في قرارها 52/149 المؤرخ 12 ديسمبر 1997، يوم 26 يونيو يومًا دوليًا للأمم المتحدة لمساندة ضحايا التعذيب، بهدف القضاء التام على التعذيب تحقيقًا لفعالية أداء اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة والتي بدأ نفاذها في 26 يونيو 1987 وهو ما لم تحققه أو تعمل به أيضًا.

كما أنَّ هذا اليوم يمثل فرصة لدعوة جميع أصحاب المصلحة بما في ذلك الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمجتمع المدني والأفراد في كل مكان إلى الاتحاد لدعم مئات الآلاف من الأشخاص في كافة أنحاء العالم ممن كانوا من ضحايا التعذيب، فضلًا عن الذين لم يزلوا يتعرضون للتعذيب حتى اليوم، وهنا ما هي ردود أفعال العالم بعيدًا عن الدور المصري تجاه القضية الفلسطينية الذي لا يمكن يزايد عليه أحد ولا دور المجتمع المدني المصري الذي لا يمكن إغفاله في تقديم المساعدات ماذا فعلت شعوب العالم في هذا اليوم الذي ما زالت إسرائيل تمارس فيها التعذيب والعنف ضد الفلطسطينين؟. 

المضحك والغريب في الأمر هي العبارة التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" بمناسبة هذا اليوم وقال فيها :" يجب ألا يُسمح لمرتكبي التعذيب أبدًا الإفلات من جرائمهم، ويجب تفكيك الأنظمة التي تمكّن التعذيب أو تغييرها".

ومن هذا المنطلق نطالبك وفورًا بتنفيذ ما قلته ولا تسمح لإسرائيل وغيرها أصلًا من الدول التي تمارس التعذيب سواء في حق شعوبها أو شعوب دول أخرى بالإفلات من العقاب، وعليك وفورًا إعلان إسرائيل مجرمة حرب، وأنَّ تعلن في نبأ عاجل إدراجها على قوائم الدول الإرهابية، لكن وكما ذكرت أننا أمام هيئة أقل ما توصف أنها "خيال مآتة" موجودة فقط لإعطاء الدول الكبرى وفي مقدمتهم أمريكا ورضيعها إسرائيل صك الموافقة على تنفيذ ما يفعلون وصك الغفران عما يقترفوه، وهنا علينا بالعودة بالذاكرة إلى عام 2014 مع تصاعد وتيرة الأحداث في غزة وعدد من شعوب المنطقة العربية ودول العالم خرجت علينا BBC NEWS عربي بسؤال مهم جدا لماذا لم تبذل الأمم المتحدة مزيدا من الجهد لإنهاء العنف في غزة؟ أو لوضع حد للصراعات في سوريا والعراق وجمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان وليبيا وأفغانستان وأوكرانيا؟، وفي نفس التوقيت كان المقال الرئيسي لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية يتساءل "لماذا لا تستطيع الأمم المتحدة حل المشاكل في العالم؟". 

الإجابة ببساطة يا عزيزي، هي توازنات المصالح الخاصة بالقوى العظمى في العالم والمتحكمة في هيئة الأمم المتحدة نفسها، وفي اختيار أمينها العام الذي بات موظفًا عند هذه الدول وهو ما جعلنا جميعا نعيش حالة من "العهر السياسي". 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز