حسام الأمير
والقارئ الجيد لمسار الأحداث في الدولة المصرية يجد أن ثورة 30 يونيو كانت بمثابة عودة مصر للحياة بعد أنَّ ظلت في غرفة الإنعاش لمدة عام كامل من حكم الجماعة الفاشية ومن قبلها كانت مصر قد أصيبت بجلطة حادة في كل شرايين حياتها، أودت بها إلى مسار كان لا يعلمه إلا الله، لكن الشعب المصري كان واعيًا لكافة المخططات الخارجية التي كانت وبحق تريد تقسيم الجمهورية لكن كل بيت مصري أصر على الخروج لإعادة ما ضاع من الوطن وبدلًا من تقسيم الجمهورية القديمة بدأنا في البناء الحقيقي للجمهورية الجديدة وكانت أركان البناء متمثلة في شعب استطاع أن يحافظ على وحدته والتي كانت سبيلًا لعودة الوطن مرة أخرى، وجيش حمى وناصر إرادة هذا الشعب واستطاع مواجهة كل الخوارج بل وأيضا حماية حدودنا وواجه أولاده البواسل بصدورهم كل رصاص الإرهاب الغادر، وشرطة مدنية تلاحمت مع جميع الأطياف الشعبية لتكون صمام الأمان الداخلي، وقائد لبى نداء الملايين ممن طالبوه بالنزول لحماية مقدراتهم والذود والدفاع عنهم وهو ما حدث بالفعل، حيث حمل هذا القائد روحه على كفه وقرر بكل شجاعة أنَّ يكون في طليعة الصفوف الشعبية ليأتي علينا يوم 3 يوليو 2013، ليرسم لنا مسار جديد في حياة الدولة المصرية بعد بزوغ الصورة المصرية أمام العالم التي تشكلت من كافة القوى المدنية والوطنية والسياسية والمؤسسات الدينية وشباب مصر الذي كان هو الوقود الحقيقي للتمرد في حركة تمرد وغيرهم من المصريين ممن شاركوا في اللوحة التعبيرية التي قالت للعالم أجمع أن مصر دولة لها سيادة وشعب، وأعلن وقتها وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، إنهاء حكم الإخواني محمد مرسي على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شؤون البلاد لحين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وعدد من الإجراءات الأخرى التي جرى الإعلان عنها لتصبح وبحق ثورة 30 يونيو هي الملحمة الوطنية التي أنقذت مصر من التفكك.
والمدقق الجيد سيجد أن الجمهورية الجديدة التي نرسى دعائمها، ونحن نحتفل بذكرى قيام ثورة 30 يونيو مرت خلال الــ 11 عامًا الماضية من عمرها بعدد من التحديات والمحن التي حولتها الإرادة المصرية إلى نجاحات وطموحات ومنح فبعد الأيام والأسابيع الأولى من عمر الثورة واجهت مصر قوى الشر الداخلية والخارجية وموجة شرسة من الإرهاب وتعليق عدد كبير من الدول علاقاتها مع مصر ودخول مصر في أزمة اقتصادية طاحنة وبنية تحتية مهترئة وفتن تسبب فيها تمكن الإخوان من مفاصل الدولة في الوقت الذي تولوا فيه حكم البلاد وغيرها من تدخلات الدول الكبرى ورفضها لانتفاضة وخروج الشعب المصري معبرًا عن إرادته وغيرها من الأحداث لتمر مصر بعدها في الفترة من 2013، وحتى الانتخابات الرئاسية في 2014 بمرحلة انتقالية حقيقية في عمر الدولة المصرية استطاعت فيها أنَّ تواجه الإرهاب في سيناء وأنَّ تصحح مسار علاقاتها مع الدول وأن تكشف جميع خيوط المخططات المعادية بعدها استطاع الشعب المصري الوقوف بجانب دولته في وضع قواعد البناء والاستقرار مرة أخرى واختار أنَّ يكون رئيسه عبد الفتاح السيسي وهو من حمل روحه على كفه في 2013، حيث خرجت الملايين لتعبر وبحب عن اختيارها له، ومن بعدها بات الجميع يرفع شعار مصر وطننا جميعًا.
لتدخل مصر من بعد عام 2014 مرحلة جديدة من عمرها ولمدة 10 سنوات حتى الآن تمثلت في نهضة حقيقية في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحياة كريمة لكل المصريين وتمكين حقيقي للشباب ودعم لأدوار المرأة والإيمان بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة ودمجهم في المجتمع ودعم تأهيلهم وتمكينهم والاستفادة الحقيقية من المجتمع المدني وإعلاء دوره وقيمته، وأصبح الجميع أمام دولة حقوقية تراعي كل مبادئ حقوق الإنسان المتمثلة في الحق في الحياة والسكن والملبس والمأكل والمشرب والأمان والمشاركة السياسية والحماية الاجتماعية وغيرها من جوانب حقوق الإنسان المختلفة وأصبحت المشاريع القومية شاهد عيان على ما تمَّ خلال السنوات الماضية من عمر الثورة ومشروعات الإسكان الاجتماعي باتت موجودة في كل محافظات مصر هذا بجانب المبادرات الخاصة بالصحة والتعليم والوعي والتربية والقيم والأخلاق ورفع كفاءة كل مؤسسات الدولة ودعم تسليح القوات المسلحة المصرية وتطوير قدرات الجيش المصري ورفع كفاءة وأداء الشرطة المصرية وفتح الباب أمام الجميع، للمشاركة في حوار وطني فعّال هدفه بناء دولة المؤسسات والتأكيد على فكرة الدولة الوطنية وترسيخ المشاركة السياسية في مصر وإعمار الظهير الصحراوي للدولة المصرية وتحويل مدينة العلمين من مدينة للألغام إلى مدينة للأحلام والاهتمام بالمحافظات الحدودية وتنمية سيناء ودعم الاستثمار فيها وتطوير قدرات طاقة وسائل النقل وإطلاق شرايين الطرق ودعم الفنون والثقافة وتشجيع الرياضة والنهوض بالقطاع الزراعي وإطلاق المشاريع الكبرى لاستصلاح الأراضي والتوسع في التنمية الزراعية المستدامة ومشروعات الاستزراع السمكي ومحطات الكهرباء والاستفادة من الطاقة الشمسية وتنفيذ مشروعات الهيدروجين الأخضر وبناء المصانع وفتح آفاق جديدة لمجالات الاستثمار وتحول مصر إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة وبناء العاصمة الإدارية الجديدة وغيرها وغيرها من الانجازات والطموحات لنكون أمام شعار حقيقي هو بناء الإنسان المصري.
وعلى المستوى الدولي، نجحت الدولة المصرية في أن تتبوأ دورها الإقليمي الذي يليق بمكانتها وأن تنجح في إعادة بناء جسور الثقة مع القوى الأوروبية والأمريكية والعربية والإفريقية وتأسيس علاقات شراكة مع قوى دولية متعددة والتوجه نحو العمق الإفريقي والتحدث بلسان القارة الإفريقية، وفتح علاقات جديدة مع عدد كبير من الدول والمشاركة في كل القمم الدولية وقمم الاتحاد الافريقي، والبرلمان الإفريقي واجتماعات وجلسات الأمم المتحدة وشهدت العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبى نقلة نوعية على جميع المستويات وكان لمصر دور كبير ومهم في المشاركة بالقمم العالمية والمنتديات الاقتصادية الدولية والتجمعات الإقليمية التي كانت تناقش كل المسارات العالمية وما يشهده العالم من صراعات ونزاعات وكان لمصر دور مهم وما زال في القضية الفلسطينية والتصدي ومواجهة الإرهاب العالمي، ومحاربة الفكر المتطرف وإقامة علاقات متوازنة مع جميع دول العالم.
ونحن نحتفل جميعًا اليوم بذكرى ثورة 30 يونيو علينا أنّ نتذكر ونسترجع ما قاله المفكر الكبير جمال حمدان في كتابه "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" وهو "ببساطة إن مصر أقدم وأعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم غير قابلة للقسمة على اثنين أو أكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة فمصر هي "قدس أقداس" السياسة العالمية والجغرافيا السياسية"، وعلينا دومًا أن نتبنى ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسي وهو "أنَّ ثورة 30 يونيو أثبتت للعالم أن إرادة المصريين لا يُمكن كسرها وهي التي أعادت للشعب المصري هويته".