البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
يبدو أن العالم سيشهد خلال الأشهر القليلة المقبلة تغيرات جيوسياسية واقتصادية واسعة من شأنها أن يكون لها تأثير قوي على المشهد العالمي والصراع الدولي الراهن والمحتمل.

المُتابع الجيد يعلم الصراع المعلن والخفي ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من ناحية، وصراعاتها مع عدد من الدول الكبرى من ناحية أخرى، هذا بخلاف التحالفات الدولية والإقليمية في المنطقة، وما زاد الأمر تعقيدا فيما يخص الولايات المتحدة الأمريكية هو ما تردد خلال الأشهر الماضية بشأن صحة جو بايدن الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، والذي وصل عمره 81 عاما، وإصرار الإدارة الأمريكية على تكذيب الامر بل واستهجان الأحاديث التي تتواتر بشأنه رغم انتشار مقاطع فيديو تؤكد تلعثمه وخطأه وتعثره في إبداء التصريحات.

هذا بجانب محاولة الاغتيال الفاشلة ضد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وهو ما أثار ملامح الصراع المبكر فيما يخص سباق الانتخابات الرئاسية الامريكية، وكل ما يحدث في العالم بدوله وحكوماته وشعوبه جعل الجميع يقف موقف المتفرج لما ستسفر عنه الأيام المقبلة من أحداث، وكل هذه الإجراءات والمواقف تتم وسط تمادي سافر لإسرائيل في عدوانها الغاشم على الأراضي الفلسطينية وتحويل غزة إلى منطقة خارج نطاق الحياة وسط صمت دولي وحقوقي من كافة دول وشعوب العالم، والصوت الوحيد الذي ينادي ويندد ويشجب ويستنكر ويحاول بين كل ساعة وأخرى أن يكون له موقف واضح ومحذر من كل تداعيات ما يحدث هو الموقف المصري.

وفي لحظة فارقة يستيقظ العالم على خبر قرار الرئيس جو بايدن، بالانسحاب من الانتخابات الأمريكية وإنهاء حملته الانتخابية، بعد تعرضه لموجة من الانتقادات من داخل حزبه، استسلم على أثرها لكافة الأصوات التي طالبته بذلك، الأمر الذي يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية وانتخاباتها المقبلة في نوفمبر من العام الجاري ستشهد مرحلة من الاضطرابات لم يشهدها في رأيي أي سباق رئاسي أمريكي منذ أكثر من نصف قرن، خاصة وأن المنافسة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي ستكون أشبه بحرب، وليست انتخابات رئاسية خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، قبوله ترشيح الحزب الجمهوري له في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفي المقابل كان تأييد بايدن لنائبته، كامالا هاريس، لتكون المرشحة الديمقراطية القادمة في السباق الانتخابي، ضاربا عرض الحائط ببعض الترشيحات التي تمثل دم جديد وجيل جديد من الديمقراطيين مثل بيتر ويلش، وجون تيستر، وشيرود براون، ومارتن هاينريش، وكلها أسماء كانت محل تأييد وترشيح من المشرعين الديمقراطيين لكن بايدن أصر أن تكون هاريس هي خليفته، بل أن هاريس استبقت كل الأمور وأصدرت بيانا قالت فيه إنها "ستكسب هذا الترشيح وتفوز به"، وكأنها أرادت أن تضع الجميع أمام الامر الواقع، ليجد المجتمع الأمريكي نفسه أمام خيارين أحلاهما "مر" فبعد دقائق من انسحاب بايدن خرج علينا ترامب ليصفه بأنه أسوأ رئيس منفرد على الإطلاق في تاريخ أمريكا، وأكد أن هزيمة نائبة الرئيس كامالا هاريس ستكون أسهل من هزيمة بايدن.

وفي المقابل في كلمتها الثلاثاء 23 يوليو الجاري أمام حملتها الانتخابية قالت كامالا هاريس "اسمعوني عندما أقول لكم إنني أعرف نوع الرئيس السابق دونالد ترامب، وفي حملتي سأضع بكل فخر سجلي ضده، وذكرت أنه من المفترسين الذين يسيئون معاملة النساء، والمحتالين الذين سرقوا العملاء، والغشاشين الذين انتهكوا القواعد"، وقالت الاثنين 22 يوليو الجاري في كلمة لها أيضًا أمام حملتها الانتخابية، إن دونالد ترامب شخص متورط بقضايا جنائية وتمت إدانته، ويريد المخاطرة بالحريات التي يتمتع بها الشعب الأميركي، ومشروعه المتطرف سوف يضعف الطبقة المتوسطة.


ومن يتابع تصريحات هاريس وترامب خلال الساعات القليلة الماضية يجد أنها ركزت على الصراع السياسي فيما بينهم ولم تركز على مصالح المواطن الأمريكي، وبات المشهد واضحا أمام العالم أجمع بان الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة هي "خناقة" على رئاسة القوة العظمى في العالم، والتي وصف فيها ترامب منافسته بأنها مجنونة وعديمة الكفاءة.

وسط كل هذه الأجواء تخرج علينا النائبة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة، والصوت المؤثر في الحزب الديمقراطي، لتعلن وبقوة دعمها لنائبة الرئيس كامالا هاريس للترشح عن الحزب في انتخابات الرئاسة الامريكية، ليس هذا فقط بل إنها أعلنت الدعم الثلاثي لها بمعنى الدعم الرسمي والشخصي والسياسي.


والمدقق لمجريات الأمور السياسية يعلم أن "نانسي بيلوسي" لها أدوار عميقة في المشهد فعلى الرغم من انتماء بايدن وبيلوسي للحزب الديمقراطي وكانت لهما معارك مشتركة فيما بينهما، اتفقا على أساسها أن لا يكون هناك مكان لترامب في البيت الأبيض لكنها كانت أول المطالبين لــ بايدن بالانسحاب وضرورة ترشيح بديل له بعد المناظرة الرئاسية التي أظهرت تراجع أداء بايدن لصالح منافسه ووصفت النتيجة وقتها بالكارثية، ووصفها بايدن بــ "المحرضة".

ورغم كل ذلك فإن ترامب أيضا كان قد سبق ووصف "نانسي بيلوسي" بـ "المحرضة" عندما قامت بتمزيق كلمته وقتما كان رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية أمام كاميرات التلفزيون وهي الكلمة التي ألقاها بعد شهر من تولي بيلوسي منصبها ووصفت بيانه وقتها أنه مليء بالأخطاء، والجميع لا ينسى خلافاتهما وقت جائحة كورونا حينما قالت بيلوسي إن ترامب لا يجب أن يأخذ اللقاح للحماية من كوفيد 19 لأنه يعاني من السمنة المفرطة، ورد ترامب عليها قائلا إن بيلوسي امرأة مريضة تعاني من مشاكل عقلية، وهذه المشاهد التي نسترجعها من الذاكرة تؤكد أن "الخناقة" ستكون مستمرة أيضًا بين بيلوسي وترامب بعد إعلان بيلوسي دعمها الكامل لـ كامالا هاريس، وكأن السباق الانتخابي سينتقل من كاملا إلى بيلوسي ضد ترامب، لأن ترامب لن ينسى ما قامت به بيلوسي بعد قيادتها محاكمة عزله داخل الكونجرس حينما صوت مجلس النواب الأمريكي برئاسة بيلوسي في 2021 لصالح قرار اتهام ترامب بتحريض أنصاره في أعمال الشغب التي شهدها مبنى الكابيتول في 6 يناير من نفس العام.

والآن بات العالم أجمع على موعد لما ستشهده الأيام المقبلة من عمر الحملات الانتخابية لمرشحي المنافسة على الرئاسة الأمريكية، تلك الانتخابات المقرر إجراؤها يوم الثلاثاء 5 نوفمبر 2024 وهي الانتخابات الرئاسية الستين في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والتي تجري كل أربع سنوات، وفيها يختار الناخبون رئيسا ونائبا للرئيس ومن المقرر أن يتم تنصيب الفائز في هذه الانتخابات في 20 يناير 2025، وسوف يتم ذلك في نفس الوقت الذي تجري فيه انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي، ومجلس النواب، وحكام الولايات، والمجالس التشريعية للولايات.

والسؤال الذي ستجيب عنه نتائج الانتخابات الأمريكية في نوفمبر المقبل أو من اليوم وحتى إجرائها هو هل لا تزال الولايات المتحدة أكبر قوة عظمى في العالم؟ وهل يتغير ميزان القوى العالمي بعد اإعلان النتائج؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز