الدكتورة رانيا أبو الخير
ويرجع هذا التغير في مستويات الاسعار إلى جملة من العوامل بعضها داخلي مثل زيادة الطلب على الوقود بصوره المختلفة إما بسبب الزيادة السكانية التي يترتب عليها زيادة الاحتياج من الوقود مع زيادة حجم الدعم المقدم لمستخدميه نظرًا لأن هذه السلعة من السلع الضرورية التي تقل مرونتها السعرية، وإما بسبب زيادة حركة الإنتاج والتوسع في الأنشطة الإنتاجية والخدمية بما يترتب عليه أيضا زيادة في حجم الطلب يصاحبه زيادة في مستويات الأسعار تطبيقًا للقاعدة الاقتصادية القائلة كلما زاد الطلب على السلعة او الخدمة كلما زاد سعرها.
وإلى جانب تلك العوامل الداخلية لزيادة أسعار الوقود، ثمة عوامل خارجية ترتبط بحركة التجارة والنقل، فكلما كانت حركة التجارة أيسر والنقل أقصر كلما أدى ذلك إلى تراجع أسعار الوقود، والعكس صحيح كلما تعقدت إجراءات الحركة التجارية وازدادت طرق النقل كلما ألقى ذلك بتأثيراته على مستويات الأسعار لتتجه نحو الارتفاع.
وفي هذا الخصوص تتجلى قراءة ما شهده سوق الوقود في مصر على مدى الأعوام الماضية، إذ حرصت الدولة المصرية في كثير من المرات على الاحتفاظ بثبات سعر الوقود خشية من أن يترتب على هذه الزيادة زيادة في مستويات أسعار السلع والخدمات.
ومن هنا فقد راعت الدولة على مدار السنوات الماضية أن تحافظ على مستويات هذه الأسعار دون رفع في مستوى أسعار الوقود، ولكن تحت ضغوط داخلية وأخرى خارجية اتجهت الدولة لاتخاذ قرارات حكيمة في ضبط مستويات الزيادة بما يتناسب مع حركة التجارة ومستويات الأسعار حتى لا يمثل ذلك عبئا إضافيا على كاهل ميزانية الأسر المصرية.
في مقابل ذلك تحملت الدولة المزيد من الأعباء من خلال زيادة حجم الدعم المقدم للطاقة في ميزانية الدولة وهو ما ترك تأثيره في فترات معينة لم تعد الأوضاع والظروف الراهنة تتحملها دون إعادة النظر في تحريك مستويات أسعار الوقود للحفاظ على الدعم المخصص للطاقة في الموازنة العامة للدولة من ناحية، وعدم تحميل المواطن التغيرات المرتفعة في الأسعار العالمية للطاقة من ناحية أخرى.
ولكن ما تشهده المنطقة من صراعات سواء على مستوى ما يجري في قطاع غزة منذ ما يزيد عن 10 أشهر من ناحية، وما يشهده البحر الأحمر اليوم من توترات من ناحية أخرى، فرضت تحديا كبيرا على تجارة المحروقات، وأدّت إلى ارتفاع مستويات أسعارها بسبب مضاعفة مصروفات وتكاليف الشحن والنقل والتأمين.
تزامن مع ذلك زيادة الطلب على الوقود مع ارتفاعات درجات الحرارة بسبب التغيرات المناخية وما يترتب على ذلك من زيادة في مستويات الأسعار لتلبية هذه الزيادة في الطلب.
ومن ثم، تأتي الخطوة الحكومية نحو تحريك مستويات أسعار الوقود بنسب لا تزال محدودة مقارنة بالعديد من دول العالم بل مقارنة بمستوى أسعار الوقود عالميا، فعلي سبيل المثال يقدر متوسط سعر البنزين عالميا 1.32 دولار للتر في حين أن متوسط السعر في مصر يبلغ 0.280 دولار لتشغل المركز الرابع عالميا من حيث أرخص دول العالم في اسعار البنزين، حيث تسبقها دول متقدمة مثل الولايات المتحدة يصل سعر اللتر إلى 0.999 دولار في حين يتجاوز سعر اللتر 2 دولار في كل من إيطاليا والنرويج واليونان وهولندا وسنغافورة وسويسرا.
بل ونجده يصل إلى 3.265 دولار للتر في هونج كونج، وهو ما يعكس أن ما أقدمت عليه الحكومة المصرية ليس إلا معالجة جزئية لمستوى الأسعار المرتفع عالميًا في محاولة منها لتحقيق التوزان بين الاستجابة للتغيرات في سوق الطاقة عالميًا وإقليميًا من ناحية، وبين الحفاظ على مستويات أسعار السلع والخدمات المقدمة للمواطن المصري من ناحية أخرى.
نهاية القول، إن الارتفاعات السعرية في سوق الوقود تمثل تصحيحًا لسياسات سابقة لم تراع حجم التغيرات المتوقعة وصعوبة الاستمرار في مستويات اسعار لا تتناسب مع الواقع المتغير داخليًا في زيادة الطلب على الوقود، وخارجيًا في ظل زيادة التوترات والصراعات والحروب وانعكاسات كل ذلك على حجم المعروض من الطاقة.
ومن ثم، على الجميع أن يعي بأن مواجهة هذه التقلبات والتغيرات تتطلب فهمًا لجوهرها والاستجابة لتحولاتها حتى لا تأتي اللحظة التي نقف فيها جميعا غير قادرين على التعامل مع استحقاقاتها بسبب عدم فهمنا لمتطلباتها.
فما جرى على مدار السنوات العشر الماضية يؤكد صحة النهج الذي تبنته الدولة المصرية في كيفية رسم السياسات الاستباقية لتطورات قادمة تستوجب الاستعداد لها برؤى وإجراءات فاعلة.