حسام الدين الأمير
ولو فكرنا إمعان النظر في من قام بتصدير هذه التكنولوجيات لنا سنجده يعيش في رغد نظرًا لاستفادته من مزاياها دون أن يكون عبدًا لها، لكن الأمر في منطقتنا العربية اختلف بشكل كلي حيث أدمن الجميع استخدام الإنترنت واعتمدنا على هذه التكنولوجيات بشكل أفقدنا الهوية وصلة الرحم وكانت لها تأثير سلبي على مجريات حياتنا اليومية، وانتقلت بالتالي عدوى السلوك إلى أطفالنا الذي أصبح تعاملهم مع الإنترنت يُشكل كارثة لا محالة.
وفجأة وبدون سابق إنذار وبعد أنَّ تركنا أطفالنا لهجوم التطبيقات التكنولوجية عليه من خلال شبكة الإنترنت الدولية وجدنا أنفسنا أمام جيل يعاني من اضطرابات نفسية وعصبية، وأصبحنا أمام مصطلح جديدة يتعلق بفكرة "إدمان الإنترنت"، وأصبحت أعراضه مثل أعراض من يقع ضحية وفريسة للمواد المخدرة بل وأكثر في الخطورة، لأنها قادت أطفالنا إلى ارتكاب الجرائم والقتل وغيرها من السلوكيات التي لابد أن ندرك خطورتها، وأن يكون لنا وقفة في التصدي لها، فحسب تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" عام 2022، فإنَّ شبكة الإنترنت عالميا تشهد يوميًا انضمام نحو 175 ألف طفل يستخدمون الشبكة للمرة الأولى، أي بمعدل طفلين جديدين كل ثانية، وهي أرقام مفزعة ومرعبة، ليس هذا فقط بل أن الأرقام والإحصائيات تؤكد أنَّ 33 % من مستخدمي الإنترنت في العالم هم من الأطفال.
وحتى لا نختلف فبقدر المنافع العديدة التي يقدمها الإنترنت للأطفال والتي منها التعلم والبحث والاستقصاء والمعرفة وغيرها من العلوم إلا أنَّ الاستخدام الخاطئ لهذه الشبكة هو الذي يشكل الخطر الحقيقي على أطفالنا خصوصًا في ظل غياب رقابة الأسرة أو جهل بعض أطراف الأسرة بهذه التطبيقات، أو جهلهم بما يسمى الحماية الأبوية الموجودة على كافة أجهزة الموبايل بكل أنظمتها، وبات أطفالنا هم الفئة الأكثر ضعفًا وانهيارًا على شبكة الإنترنت نظرًا لأنهم الطرف المستهدف في معادلة الحروب التكنولوجية، وما يؤكد ذلك هو تعرض أطفالنا في أوقات كثيرة للتنمر والابتزاز الإلكتروني والذى وصل فى بعض الحالات إلى الانتحار، وغيرها من الجرائم وأكبر الجرائم التي تشكل تهديد حقيقي هي جرائم استغلال الأطفال عبر الإنترنت والتي باتت في تصاعد مستمر وهو ما دفع وزارة الداخلية في إطار دورها بالحفاظ على أمن المواطن بتخصيص مكان لتقديم البلاغات بالمنطقة المركزية بميدان العباسية بمعهد التنمية البشرية وتقديم البلاغات بمديريات الأمن على مستوى الجمهورية، وتخصيص آليات للتواصل مع مباحث الإنترنت عن طريق الاتصال بـ" الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات" وكذلك إدارة تسمى مكافحة جرائم الحاسبات.
المشكلة الأكبر التي يقع فيها كثير من أولياء الأمور هي عدم إدراكهم للمخاطر التي يمكن أن يقع فيها أطفالهم من خلال استخدامهم للإنترنت، وعدم مراجعة المحتوى الذي يطلع عليه أبنائهم، حيث أشارت دراسات سابقة صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء إلى أن نحو 47% من الأطفال فى مصر من سن 4 إلى 17 سنة يستخدمون التليفون المحمول، وبلغت نسبة استخدام الأطفال للانترنت فى نفس الفئة العمرية إلى نحو 33%، وعلى ذلك تصبح مراقبة الآباء والأمهات للمحتوى الذي يشاهده أبناؤهم مسألة حتمية، لكن هذا لا يتم بالشكل الدوري أو المطلوب، وهناك ثمة مشكلة أخرى تتمثل في التقليد الأعمى الذي يقوم به الأطفال عندما يشاهدون أقرانهم حتى ولو كان المحتوى المقدم من أقرانهم عنيف بل أنهم يقومون أيضًا بتقليد المشاهد التي يتعرضون لها على الإنترنت وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وهو ما ينذر بكارثة بدأت بوادرها تظهر على السطح والمتمثلة في زيادة نسبة الجرائم التي يرتكبها الاطفال، وفقدان الهوية، وضعف الانتماء، والتقليد الأعمى لكافة الممارسات الغربية السيئة، بل والتأثر بالأفكار التي من الممكن أن تكون مخالفة للعادات والتقاليد والاديان، وهو ما يدعونا إلى دق جرس الإنذار وتكاتف كافة مؤسسات الدولة الدينية والتعليمية والتوعوية ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات ومن قبلهم الاسرة في الاتفاق على آليات لمناهضة هذا الوحش المسمى بالإنترنت الذي يغتال عقول أطفالنا
حيث أكدت الأرقام الحديثة الصادر عن منظمات الأمم المتحدة، أنَّ عام 2023 شهد استخدام نسبة 79% ممن أعمارهم تتراوح بين 15 و24 عامًا منصات التواصل عبر الإنترنت وأن الأطفال يقضون وقتا أطول على الإنترنت كل يوم عن اليوم الذي يسبقه حيث يتصل طفل بشبكة الإنترنت لأول مرة كل نصف ثانية.
ونظرًا لتزايد خطورة المشكلة نفذت عدد من الجهات الوطنية في مصر ورش توعوية بحضور الخبراء وأولياء الأمور والإعلام والأطفال أنفسهم حول "مخاطر استخدام الإنترنت على الأطفال"، لكن قبل كل ذلك علينا العلم أنَّ الدستور المصري وجميع القوانين المتعلقة بالطفل كفلت الحماية الكاملة له من كل المخاطر ووفرت له الكثير من الحقوق الاجتماعية والتعليمية الصحية بمــا يحميه مـن كافة أنـواع العنف والانتهاكات.