أحمد محمود
ولعل هذه المنظومة في رأيي، تكون واحدة من أهم أدوات الإصلاح الإداري في مصر، إذا تم إدخال بعض الإجراءات التي تسمح، ليس فقط بحل مشاكل المواطنين، ولكن بإجراء تعديلات إدارية على الجهات الحكومية، التي تأتي بعض إجراءاتها محل شكوى من المواطنين، وبحيث يكون الحل دائم ومستدام أيضًا بما يضمن عدم تكرار المشكلة بأي شكل آخر ولي مواطن آخر.
أَنشئت تلك المنظومة بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 314 لسنة 2017 لتلقي وفحص وتوجيه جميع الشكاوى والرد عليها إلكترونيًا، ويمتد نطاق عملها بجميع الوزارات والمصالح والأجهزة الحكومية ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة وغيرها من الجهات الحكومية والأشخاص الاعتبارية العامة، بما يجعلها قناة تواصل رسمية ذو اتجاهين بين المواطن والحكومة بأجهزتها المختلفة.
كما صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1855 لسنة 2017 بشأن منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة وإعادة تنظيم مكاتب خدمة المواطنين وربطها بالمنظومة ومفصلًا لاختصاصات المنظومة في تلقي الشكاوى ومتابعة فحصها بمعرفة الجهة المختصة وإخطار المواطن بالرد النهائي على شكواه مع ضمان ألا يضار المواطن جراء تقدمه بشكوى طالما اتفقت ومعايير الحق في التقدم بها.
وقد لجأت بنفسي للمنظومة عدة مرات، بشأن شكاوى لمشكلات تواجهني شخصيًا، مع جهات أو كيانات تقع تحت سلطة الجهاز الإداري للدولة، وفي مرات منها جاء الحل ناجحًا، إلا أن في عدد من تلك المشكلات لم يتم فيها حل المشكلة لأسباب لا أعلمها، ربما كانت الأسباب تتعلق بتفرع المشكلة بين عدة جهات، أو عدم وجود وسيلة للتنسيق بينها مثلاً.
أضرب مثلًا بمشكلة تتعلق بقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، والذي صدر من وزارة الإسكان، إذ قام اتحاد الشاغلين لقرية من قرى الساحل الشمالي الغربي، بتحصيل مبلغ صيانة عن الحدائق الخاصة الملحقة بالوحدات المصيفية، مستندين إلى خطاب من وكيلة وزارة الإسكان، بشأن تفسير المادة 157 من اللائحة التنفيذية للقانون.
هذا الخطاب الذي أصدرته وكيلة وزارة الإسكان بناء على طلب من اتحاد شاغلين تلك القرية السياحية بالتحديد، بشأن الاستفسار عن المادة، والمحددة لنسب التصويت على قرارات الجمعية العمومية والالتزامات المالية، والتي تنص على "تكون نسبة التصويت والمساهمة في الالتزامات المالية التي تقررها الجمعية العمومية بناء على مسطح نصيب الوحدة من الأرض منسوبًا إلى إجمالي مسطح الأرض على أن يحتسب المتر المربع للإشغال التجاري والإدراي بضعف المتر المسطح للإشغال السكني" وأضع تحت عبارة الإشغال السكني خط غليظ.
جاء خطاب المهندسة وكيلة وزارة الإسكان مخالفًا للمادة المذكورة عاليه، حيث جاءت المادة في الخطاب الصادر من الوزارة كالتالي: "يتم احتساب نسبة التصويت والمساهمة، للمباني المشغولة أو القابلة للإشغال على أساس مساحة (أرض المبنى) شاملة مساحة الحديقة الملحقة منسوبة إلى إجمالي المساحة المنسوبة للقرية بعد استبعاد مناطق الخدمات والشوارع والحدائق العامة.
يبدو الأمر وكأن وكيلة الوزارة قد أجرت تعديلًا تشريعيًا على المادة 157، ليضيف هذا التعديل حقًا تصويتيًا، لم تتضمنه المادة الأصلية في القانون، كما أضافت التزامًا ماليًا لم تتضمنه المادة المذكورة أيضًا، وحين تم اللجوء لمنظومة الشكاوى الموحدة بتاريخ 17 مارس 2023 تم إحالة الأمر إلى هيئة المجتمعات العمرانية، ثم في تاريخ 5 سبتمبر 2023 قامت أمانة مجلس الوزراء بعمل استعجال للعلم والإحاطة، ثم أعيد الاستعجال بتاريخ 26 أكتوبر 2023، وأخيرًا تم إحالة الأمر لهيئة المجتمعات العمرانية بالساحل الشمالي الغربي بتاريخ 20 مارس 2024، ولازال الأمر قيد الفحص حتى تاريخ كتابة هذا المقال.
لا يوجد لدي تفسير لتعطل البت في هذه الواقعة بالتحديد، ووقائع أخرى مشابهة تتعلق بوزارة الاسكان وهيئة المجتمعات العمرانية، والشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي بمطروح، سوى أنه ربما كان الأمر يتطلب جهة أخرى لفحص تلك الأمور، تلك التي أظن أنها تتعلق أكثر بالأداء الإداري لأجهزة الدولة.
المثير للدهشة أيضًا في هذا الأمر أنني سبق وأن تقدمت باقتراح عبر منظومة الشكاوى الموحدة بإدخال تعديلات على قانون البناء الموحد تضيف ضمانات رقابية تسمح بمراقبة أداء اتحادات الشاغلين لضمان عدم تغولهم على المال الخاص بالشاغلين، وضمان حسن الإدارة، كان ذلك بتاريخ 29 يونيو 2020 وجاء الرد بتاريخ 20 يوليو 2020 من إدارة الفحص القانوني لوزارة الإسكان كالتالي "لقد أناط الدستور والقانون بمجلس النواب دون غيره أعمال التشريع سواء كانت مشروعات القوانين مقدمة من نواب الشعب أو الحكومة وصولاً إلي إقرارها للعمل بها" ثم تم حفظ الطلب وكأنه لايمكن ارسال الاقتراح لجهة لعرضه على مجلس النواب مثلًا.
أستطيع أن أضرب أكثر من مثل لشكاوى مماثلة فشل أصحابها في الوصول لنتيجة في حل الشكاوى سواء من خلال منظومة الشكاوى الموحدة، أو من خلال مكاتب الشكاوى التابعة للوزرات المعنية، والحقيقة أنني لم أستطع أن أجد تفسيرًا لذلك.
كثيرًا ما فكرت أنه ربما كان من المفيد، بحث نقل تبعية منظومة الشكاوى الموحدة لهيئة الرقابة الإدارية مثلًا، أو على الأقل أن توضع تحت الإشراف المباشر للهيئة، وهو ما سيفيد بالقطع في حل المشكلات بصورة حاسمة وجذرية، وسيفيد أيضًا في تدعيم عمل الهيئة في كشف الخلل ومعالجة القصور الإداري لأجهزة الدولة، ومنع حدوث أي قدر ولو ضئيل، من الفساد الذي يمكن أن ينشأ بسبب عدم الخبرة، أو التخصص، أو ربما بسبب التعمد في أحيان كثيرة أيضًا.