رامي زهدي
إن البيئة المتوترة "أمنيًا" وبالتوازي مع تراجع لمبادئ الحياة الأساسية الكريمة، لن تخلق أبدًا مواطنًا سَويًا وطنيًا مستعدًا لبناء ذاته ووطنه؛ بل على العكس، الظروف الصعبة والحروب تخلق "رؤوسًا خاوية" مستعدة ومتحفزة للملء بالأفكار السلبية، والمتطرفة، والعدائيات ضد الدول والأوطان والمؤسسات الوطنية.
الفكر المتطرف لا يتربط بالدين فقط، ولا يقتصر علي دين معين دون غيره. هناك من أصحاب الفكر المتطرف من لا يدينون بأي دين علي الإطلاق، ومنهم اختار "الإرهاب" كاختيار ثابت لحياته. قد يكون مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا أو غير ذلك. ومنهم وهم الأغلبية من يعتبرون العمل بالإرهاب "عمل ووظيفة ومهنة" وحتي التظاهر بالانحياز لفكر دون غيره، أو استخدام المصطلحات الدينية، يكون أحيانًا جزءًا من الأدوات الوظيفية للإرهابي.
"في إفريقيا، أحدهم بداخل عقله حزام ناسف، مُتخم بالأفكار المتطرفة الشريرة ضد الإنسانية وضد الحياة".
القارة الإفريقية وخصوصًا مناطق الصراعات، والتي منها ما هي صراعات دائمة لا تنتهي، ومنها صراعات ما تلبث أن تنتهي حتي تبدأ من جديد، وهناك شكل آخر لصراعات؛ مثل كرات اللهب تنتقل من نطاق جغرافي لآخر بسرعة سريان النار في الهشيم الجاف. وبالتوازي مع هذا نجد أمراضًا مجتمعية واقتصادية متمكنة من مفاصل القارة العظيمة؛ نقص الغذاء، ونقص الطاقة، والفساد، والرشاوي، والمحسوبية، واستغلال النفوذ، ومنهجية استغلاله ما بين نفوذ سياسي، ومالي، وقبلي، ووظيفي، وديني أو عرق طائفى، بالإضافة للجريمة والجريمة المنظمة والجريمة عابرة الحدود.
بالتوازي مع أمراض عضوية، وبنية تحتية صحية، وعلاجية هي الأضعف علي الإطلاق بين قارات العالم. كل ذلك ويزيد خلق "مطبخ" إعداد، أو "معمل" كبير للإرهاب داخل القارة؛ لتصبح القارة السمراء أحد مراكز بؤر الجماعات الإرهابية، والفكر المتطرف في العالم؛ بل و"مسرح" عمليات النشاط الإرهابي في العالم، بينما يتداخل ذلك النشاط الإرهابي مع الشعوب اقتصاديًا ومجتمعيًا، ويقدم نفسه للمجتمعات بديلًا لمؤسسات الدول الرسمية، ولا سيما عندما يغيب مفهوم "الدول الوطنية"، أو تصاب إدارات الدول، والحكومات بالضعف أو بالتبعية ولتفضيل المصالح الشخصية، والفئوية علي مصالح الوطن والشعب.
"ما بين عقل به حزام ناسف... وقلب به ظلام دامس.... دوافع السيطرة علي الشباب المتطرف لتشكيل الجماعات الإرهابية في القارة الإفريقية".
دوافع مختلفة
الإرهاب في القارة له مستويات متدرجة؛ أولًا علي المستوي الأقل علي الإطلاق وهو العنصر الإرهابي الصغير الذي يحمل سلاحًا أو يقدم خدمات معلوماتية، أو لوچيستية للجماعة الإرهابية ويكون دائمًا عقله متشبعًا بأفكار متطرفة استطاع المستوي القيادي الأعلي منه زرعها بثبات في عقله ووجدانه، وليس بالضرورة هنا أن يكون التطرف دينيًا أو مرتبطًا بالدين بصفة عامة، أو بالدين الإسلامي، أو المسيحي بصفة خاصة.
وغالبا ما يعمل هذا العنصر إما دفاعًا عن أفكاره ونظير أموال بسيطة ليصبح العنصر الأضعف داخل منظومة الإرهاب، والأسهل للسيطرة عليه، ثم ننتقل لمستوي قيادي تالٍ، يكون مؤمنًا جزئيًا بقدر من الفكر لكنه أذكي كثيرًا من المستوي الأدني؛ حيث يستطيع أن يُصدق وقتما يشاء وأن يُكذب في وقت آخر، ويستطيع بيع مجهوده بسعر أعلي.
ثم نتقل لمستوي مركزي أعلي، وهو مدرك جيدًا ويعرف دائمًا أن ما يحدث هو صناعة، وتجارة لها مخرجات بناء علي مدخلات، ولها عوائد وتكون دائمًا علي المستويات كافة، خصوصا دوافع اقتصادية، للسيطرة علي مصادر اقتصادية طبيعية، أو مناطق زراعات أو مناجم، أو فرض جباية مالية علي المواطنين، بالإضافة إلى أنشطة أخري غير مشروعة سواء تهريب، أو مخدرات، أو تجارة بشر، أو حتي بيع خدمات إرهابية لصالح الغير، بعد أن وجدت القوي الدولية ذات الفكر الشرير أن سلاح الأرهاب سواء تمت صناعته، أو تم شراء خدماته هو الأرخص والأكثر تأثيرًا في تحقيق أهداف هذه القوي خصوصًا استهداف إحداث تغيرات چيوسياسية أو ديمغرافية همة ومطلوبة من وجهة نظر هذه القوي.
ثم ننتقل لمستوي أعلي وأعلي يتحرك وفق استراتيجية دولية، ولصالح قوي دولية ضد قوي أخري، وأيضًا الدوافع اقتصادية مستمرة، لكنها عملاقة مهولة، بعدما وجدت الدول الكبري حتي التي تحارب الإرهاب أو هكذا يبدو، أن إدارة تمدد إرهابي معين في نطاق جغرافي محدد يوفر لهذه الدولة تحقيق خططها الإستعمارية الجديدة بالسيطرة علي مكتسبات ومقدرات الشعوب أو منع غيرها من ذلك أو تغير ديمغرافية معينة لصالح أخري.
كل ذلك بمجهود أقل وبتكاليف بسيطة بالنسبة لها ثم ينمو الإرهاب ذاتيًا ويتكاثر آليًا لتصبح "الجماعة" "جماعات" و"الفكر" "أفكار" و"التطرف مناهج متعددة، مختلفة، لكنها متكاملة"، وعندما تقرر هذه الدولة إنهاء "العرض المسرحي الإرهابي" فإنها بالتأكيد تستطيع، "تُنزل الستارة وتسحب الممثلين" وتقتل من لا يستجيب، أو من فقد دوره ويظل الجمهور "الشعوب" هو مسدد لتكلفة العرض المسرحي في النهاية.
"مكافحة التطرف والاستقطاب تبدأ من إحياء الضوء في العقول.. حتى نقي الإنسانية من مستقبل مُعت".
الأدوات
إذا كان الاتفاق علي أن الدوافع للإرهاب اقتصادية؛ يبقي الاختلاف علي أدوات التنفيذ؛ يتم الاستقطاب الفكري في القارة بالمال، والجنس، والوعد بالجنة، والحكم والسيطرة وممارسة الإقصاء السياسي والديني والمجتمعي والقبلي والانفراد بخيرات البلاد والدول دون شعوبها.
لكن نظل، نحن الأفارقة، الطرف الأكثر انفتاحا للأسف والأكثر قبولا لتواجد مثل هذه الجماعات داخل صميم المجتمع الإفريقي؛ فعلي سبيل المثال "بوكوحرام" في غرب القارة، وحركة "الشباب الصومالية" في أقصي شرق القارة دخلت في مرحلة أمر واقع بالنسبة للسكان هذه الدول يتجارون معهم، يعملون معهم، يتزوجون منهم، ويدفعون لهم نظير الحماية أو إتقاء شرورهم في ظل غياب مؤسسات هذه الدول خصوصًا العسكرية، والأمنية منها أو ضعفها علي الأقل بالإضافة لافتقار تكنولوجيات المعلومات، والعتاد والتدريب الجيد للعناصر البشرية، وكذلك "الإرادة الوطنية" الحاسمة لوقف كل ذلك من أجل الوطن.
نحتاج ماذا؟!
إننا في مواجهة تحديات الإرهاب والفكر المتطرف؛ نحتاج تطورًا نوعيًا في مواجهة الظاهرة الأكثر خطورة على مستقبل العالم والأجيال القادمة. منذ أن أدرك العالم الشرير أن الإرهاب والإرهاب المنظم وسيلة فعالة جدًا ومنخفضة التكاليف نسبيًا لتغيير خرائط العالم وتدمير أمم وشعوب، وسرقة، ونهب ثروات أجيال قادمة، منذ هذه اللحظة؛ بات الإرهاب وداعموه من أعداء الإنسانية خطرًا رهيبًا "يغلف كوكب الأرض مثله مثل غلافه الجوي"، فلم تعد بقعة ما من بقاع الكوكب ببعيدة عن ذلك المرض المتفشي في جسد العالم.
الدول التي كانت قديما تتبنى خططًا استعمارية وأجرامية؛ من أجل السيطرة على دول أخرى لأغراض سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية، أصبحت الآن مهمتها أسهل؛ كل ما تحتاجه هو دعم كيان إرهابي أو شراء خدماته من مرتزقة، ومجرمين وتقديم كل الدعم اللوجيستي والسياسي، والملاذ الآمن لهم ثم توجيه عملهم لنقاط جغرافية مستهدفة؛ بهدف إحداث تغيير ما في جغرافية أو اقتصاديات منطقة ما أو دولة ما.
هؤلاء المرتزقة هم فقط "وقود النار"، يحصلون على الأموال الضخمة؛ من أجل إدارة اللعبة، وهم "لا يموتون ولا يُصابون"! بل "لا يمسهم أي سوء"! هم فقط يجندون غيرهم من الشباب الصغير، ويستغلون نقاط ضعف عديدة؛ منها الجهل، والفقر، ومنها لعبة السياسة، ويستخدمون وسائل متعددة مبتكرة تتقدم يومًا بعد يوم. إن أقوى جيوش الأرض لن تستطيع أبدًا القضاء على إرهاب في عقول، وقلوب الشباب خصوصًا في قارتنا الإفريقية.
يستطيع "الجندي الوطني المقاتل" مطاردة إرهابي مرتديا حزامًا ناسفًا حول جسده، بينما لا يستطيع المقاتل نفسه أن يطارد شابًا معتنقًا للفكر المتطرف، وكره الآخر، مرتديا "حزامًا ناسفًا داخل عقله وقلبه المريض".
من هنا؛ أصبح الاتحاد والتكامل من أجل المواجهة، هي أمور حتمية أوجدتها الضرورة القصوى؛ من أجل برامج متطورة نفسية، وعقلية وعلمية دينية، ومجتمعية، وذات صبغة محترفة، وأسلوب متطور؛ من أجل مكافحة الإرهاب والتطرف والاستقطاب بين الشباب، ليكون بداية "طوق نجاة" وتحرك إيجابي قوي تجاه المشكلة، ولنصل يومًا بأن يكون الإرهاب، والتطرف والاستقطاب مجرد ذكريات متنهية من عقل وقلب الأوطان.