البث المباشر الراديو 9090
جمال رائف
في الوقت الذي تتجه خلاله الإدارة الأمريكية لاستبدال الضغط العسكري بضغط اقتصادي مضاعف يجبر الطرف الإيراني على قبول التفاوض وفق الرغبة الأمريكية، اتجهت طهران لترتيب صفوفها الداخلية، وكأنها تستعد لموجة جديدة من الحرب، وذلك عبر عدد من التعيينات التي قام بها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في صفوف القوات المسلحة والحرس الثوري.

ولكن يظل تعيين قيادة جديدة لقوات الباسيج وتصريحات المرشد حول أهمية توسيع وتعميق ثقافة المقاومة والتعبئة هو ما يثير الاهتمام، في ظل المهمة المرتبطة بطبيعة عمل الباسيج والمتعلقة بإحكام السيطرة على الجبهة الداخلية. فهل هي محاولة للإمساك بزمام الداخل أم حشد للشارع الإيراني في ظل سيناريوهات تشير لاستمرار وطول أمد الصراع؟

بشكل عام، وبالنظر إلى هذه التعيينات، وأيضًا القرار الأخير الذي صدر بشأن تعيين القائد السابق للحرس الثوري، محسن رضائي، أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلًا للمرشد داخل المجلس، فجميعها مؤشرات تؤكد أن طهران تريد ترتيب صفوفها بعد خمسة أشهر من الحرب التي أحدثت خللًا كبيرًا في مختلف الدوائر السياسية والعسكرية الإيرانية.

ولكن السؤال الأهم: كيف ستكون ردة الفعل الأمريكية بعد أن استغلت إيران فترة الهدوء العسكري لترتيب صفوفها وحشد الداخل، وهو ما قد يخفف من الضغط الاقتصادي الذي تسعى واشنطن لمضاعفته على طهران خلال الفترة القادمة، أملًا في أن يحدث هذا انقسام داخلي تستعد له إيران بهذه الترتيبات الداخلية والتعيينات الجديدة التي من شأنها إعادة سيطرة النظام الإيراني بكل قوة على الشارع، وأيضًا كافة المؤسسات؟

البيت الأبيض، الذي يعاني من صعوبة بناء القرار السياسي بشأن مستقبل الحرب، قد تدفعه هذه الخطوات الإيرانية الأخيرة المتعلقة بترتيب صفوف قياداتها العسكرية إلى العودة مجددًا لسيناريو الحرب، خاصة في ظل غياب أفق تفاوضي يسمح بإنهاء الأزمة، بل إن استهلاك طهران للوقت يضع الإدارة الأمريكية في تحدي الزمن، سواء المتعلق بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس أو حتى الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، بعد أن بات مستقبل الحرب وسيناريو الخروج منها ذات تأثير كبير، بل رئيسي، على مستقبل الحزب الجمهوري الذي يخوض حربًا؛ فإن اتجهت إلى اتفاق يشبه اتفاق أوباما، فهذا سيعني أن ترامب قد أهدى الحزب الديمقراطي قبلة الحياة بعد سنوات بايدن التي أفقدت الحزب الكثير من قدرته السياسية، وهو ما يرجح عودة سيناريو التفاوض عبر القوة مجددًا، حيث لن تكتفي الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط الاقتصادي كما كانت تخطط خلال الفترة القادمة، بل ربما تعود لإحداث تصعيد عسكري من شأنه إرباك حسابات النظام السياسي الإيراني الذي يسعى لاستغلال إطالة فترة التفاوض لاسترداد عافيته السياسية.

بين الحرب والتفاوض تبقى كافة السيناريوهات مطروحة، ولكن المؤكد أن معركة تكسير العظام بين أمريكا وإيران تتجه نحو استمرارية حرب الاستنزاف، إلا إذا حدثت مفاجأة وقرر الجانبان الاتفاق على الخروج المشرف لكلا الطرفين من مستنقع الحرب، ليعلن كل جانب انتصاره، وتبقى محصلة الحرب الحقيقية صفرية: لا غالب ولا مغلوب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز