حسام الدين الأمير
وطبقًا لمحددات الجيولوجيا الأرضية فإن "الثورة البركانية"، أو "الثوران البركاني" يحدث عندما يتعرض جوف الأرض لمؤثرات عالية من التسخين، والتغيرات التي يبدأ بعدها البركان بقذف الغازات، والحمم البركانية من جوفه عبر فوهته، ومن بعدها تتم عملية الانفجار البركاني الذي يُحدث غالبًا تغيرات عديدة على تضاريس الكرة الارضية.
وهو بالفعل ما تشهده المنطقة العربية، ودوائر الصراع الإقليمية التي حذرت مصر مرارًا وتكرارًا من ضرورة وأد هذه الانفجارات البركانية قبل أن تتدفق منها الحمم، فلو طبقنا نظرية التكوينات الأرضية نتيجة البراكين نجد أن ما يحدث الآن إقليميا هو أقرب للشبه فيما ذكرته.
نحن أمام ثورة بركانية إقليمية سينتج عنها تغيير دوائر الصراع في المنطقة، وتشكيل العالم من جديد، وهو بالفعل ما حدث، ويحدث إلى الآن، منذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية فى قطاع غزة منذ ما يقرب من عام، وهي العملية التي بدأت بطوفان الأقصى، وكان الرد من الجانب الإسرائيلي بعملية السيوف الحديدية المستمرة إلى اليوم، والتي بسببها اتسعت دوائر الصراع في المنطقة، ودخول دول أخرى على الخط تعاني من نتائج هذا الصراع؛ بل وأحيانا اضطرت أن تكون طرفا فيه.
ولنا فيما تشهده الساحة اليمنية، واللبنانية، والعراقية، والسورية، والسودانية أسوة، وكذلك دوائر الصراع الإقليمية المتمثلة في إيران، وتركيا، وغيرها من دوائر المنتفعين. وكلمة السر في كل ما يحدث هو ضمانة أمن إسرائيل من ناحية، وجبروت الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى، ودخول دول عظمى على خط الصراع تنفيذا لمصالحها في المنطقة من ناحية ثالثة.
والضحية في كل ما يحدث هو الشعب الفلسطيني وغياب الحقيقية وإنهاء القضية الفلسطينية وتأثر شعوب المنطقة كافة، وتغير الديموغرافيا الجيوسياسية وهو ما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحقيقه، ولا ننسى أن كل ما يحدث تتأثر به الدولة المصرية والمواطن المصري بشكل مباشر
والقارئ الجديدة للأحداث يجد أن مصر تتوسط منطقة الصراع الدائر في الشرق، والغرب، والجنوب، والشمال، وحدودها الأربعة عبارة عن دوائر من الحمم لكن بفضل القيادة السياسية الحكيمة، وإدراك الشعب المصري لخطورة الموقف، وحكمة دوائر صنع القرار المصرية؛ لكانت الأمور تغيرت وخريطة المنطقة تحولت؛ فالعالم أجمع لم ينسَ أن الشعب المصري كان السبب في وقف تنفيذ حلمهم الرامي إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير وأنه بسقوط مصر سوف تكون هي الجائزة الكبرى للسيطرة على المنطقة العربية والامتداد الإفريقي.
لكن الشعب المصري في 30 يونيو كان السبب وراء إفشال هذا المخطط وعودة الأمور إلى المربع صفر من جديد لتبدأ بعدها دول العالم المنتفعة إلى البحث عن دوائر جديدة للصراع، وتبني خطط بديلة والاستعانة بعملاء ووكلاء جدد في المنطقة
حتى ما يحدث الآن من صراع، واتساع رقعته كانت مصر أول المحذرين من تداعياته، وتداعيات التعنت الإسرائيلي، وممارساتها بحق الشعب الفلسطيني؛ بل إن مصر كانت أول المبادرين بخطط إحلال السلام في المنطقة لكن العالم وقادته كان لهم رأي آخر، ووجدنا من يدخل على الخط بمبادرات لم ترقِ حتى إلى مردود طرحها على طاولة المفاوضات.
وما كان من وراء كل هذا التقاعس والتأخير إلا تزايد خطوة الموقف والتأثير على مقدرات الشعوب والإضرار بمصالح الدول، وتأثر حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، والاضطراب في حركة الاقتصاد العالمي، والتأثير المباشر على الطاقة والغذاء، والتغيرات في علاقات الدول، وتصاعد وتيرة الاغتيالات التي كان آخرها اغتيال الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية على الأراضي الإيرانية، في مشهد جديد لصراع إقليمي كان مخطط له مسبقا ونجح.
وبعيدًا عن دوائر الصراع، أو ما تشهده المنطقة، ففي رأيي المتواضع يصبح بنيامين نتنياهو هو المحرك الأول لكل ما يحدث؛ نظرًا لأنه المنتفع والمستفيد الوحيد من استمرار الحرب على قطاع غزة، وتزايد وتيرة الصراع في المنطقة؛ لأن نهاية الحرب ووضع حد لها وبداية الاستقرار تعني نهاية بقائه في السلطة وسقوطه، ومحاكمته، وهو ما يجعله يتعنت، ويماطل ولا يقبل بأي حلول من شأنها وضع الأزمة على طريق الحل، خاصة وأن هذا التعنت، والجبروت من طرف نتنياهو دفعه إلى رفض طلب الداعم التاريخي لإسرائيل، وهي الولايات المتحدة الأمريكية بوقف إطلاق النار من جانبه، أو إدخال المساعدات.
لكن على الجانب الآخر، لا يمكن أن نتجاهل دور الصراع "العربي العربي" الخفي، والذي ينذر أيضًا، ببركان قارب على الانفجار؛ الأمر الذي كانت لها انعكاسات سلبية على دوائر صناع القرار في المنطقة العربية، وهو ما ساهم في دخول القوى الإقليمية على مشهد الصراع للاستفادة منه حتى أصبحنا نسمع مصطلح تدويل الصراعات الداخلية العربية، الأمر الذي ساهم في إعطاء الفرصة للقوى الخارجية أن تمارس الضغط على القرار السياسي العربي.
ووسط كل ما يحدث يترقب العالم أجمع حلول الذكرى الأولى للعملية الإسرائيلية المطوَّلة على قطاع غزة، والتي بدأت 7 أكتوبر 2023 ومستمرة إلى الآن، ونحن على مشارف دخول الحرب السنة الأولى لها، وما ستسفر عنه الأسابيع القليلة القادمة من تزايد حدة الصراع الذي يحمل وبشكل أساسي بين دفاته حربًا إقليمية وليست عالمية.
وما سيزيد الأمر سخونة هو تصاعد حدة الصراع الانتخابي في الولايات المتحدة الأمريكية بين كامالا هاريس ودونالد ترامب، والكل يتاجر في صراعه بالأزمة والقضية الفلسطينية في مشهد يجعلنا ندخل في نوبة من الضحك الهيسيرتي المفعم بالدموع؛ نتيجة المسرحية العالمية التي يقوم بتمثيلها المنتفعون، والجميع من شعوب العالم يصفق لمشاهد الدماء، والاغتيالات، وجثث الأطفال، وأشلاء الضحايا، وذبح النساء، وتدمير البنية التحتية، والمستشفيات، والمدارس، والجامعات؛ بل ويرقصون على خريطة المنطقة التي يرغبون في تغيير ملامحها.
ووسط كل هذا يبقى الموقف المصري هو الصامد، والمشهود له بالاحترام والنزاهة وهو المدافع عن كرامة كل عربي في المنطقة، وفي رأيي أن الدولة المصرية باتت تتحمل أكثر من طاقتها في الحديث بأسم كل مواطن عربي، والحديث باسم الشعب الفلسطيني، فهي الدولة الوحيدة الرافضة لكل ممارسات الدول الكبرى في المنطقة، وهي التي تحمل دومًا البداية في حل أي صراع أو وقف أي تطور لأي صراع.
وبات الرئيس عبد الفتاح السيسي، ودوائر السياسة في الدولة المصرية هم الحاملون على أكتافهم مسألة الدفاع عن القضية الفلسطينية، وأزمات المنطقة العربية، ولا يمكن أن يزايد أحد على هذا الموقف، فهناك من يحاول من الدول العربية أن يكون له موطئ قدم، أو يتاجر بمبادراته لكن الشعب المصري والعربي، وشعوب العالم تعرف من هو الصادق ومن هو المتاجر وتعرف من هو صاحب القضية ومن هو المنتفع.
والآن، علينا أن نعرف أن الدولة المصرية حذرت منذ بداية العمليات العسكرية على قطاع غزة من تداعياتها وكانت لها نظرة مستقبلية عندما توقعت اتساع دائرة الصراع في المنطقة، وأننا لسنا بصدد حرب عالمية ثالثة بقدر ما هي حرب إقليمية؛ بل وأعلنت منذ الساعات الأولى رفضها القاطع لتهجير الفلسطينيين قسريًا ودفعهم باتجاه الحدود المصرية.
وأعلنت أمام الجميع أن سيناء خط أحمر، وأن الحل العادل للقضية هو حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة في تقرير المصير، والعيش بأمان في دولة مستقلة مثلهم مثل باقي الشعوب.
ودعونا في هذا الصدد، أن نتذكر جميعًا الموقف المصري في قمة القاهرة للسلام، والذي أرى أنه حمل تساؤلا مهما، وحان الوقت للإجابة عليه من دول وشعوب العالم عندما قال الرئيس السيسي: أتساءل بصراحة، أين قيم الحضارة الإنسانية التي شيدناها على امتداد الألفيات والقرون؟! أين المساواة بين أرواح البشر دون تمييز أو تفرقة أو معايير مزدوجة؟!
وحملت القمة أيضًا، دهشة ممزوجة بالاستغراب عندما قال الرئيس السيسي: مصر تعبر عن دهشتها البالغة من أن يقف العالم متفرجًا على أزمة إنسانية كارثية يتعرض لها مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة، يُفرض عليهم عقاب جماعي، وحصار، وتجويع، وضغوط عنيفة للتهجير القسري في ممارسات نبذها العالم المتحضر الذي أبرم الاتفاقيات وأسس القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني.
وحملت أيضًا، القمة في حديث الرئيس السيسي تأكيدًا علينا جميعًا أن نضعه على صدورنا، وأن يكون هو عنوان حياتنا عندما أكد على أن "تصفية القضية الفلسطينية دون حل عادل لن يحدث، وفي كل الأحوال لن يحدث أبدًا على حساب مصر".