حسام الدين الأمير
وفي التعريف العلمي والتكنولوجي تعد الحروب السيبرانية هي إحدى أخطر الحروب الإلكترونية التي يشهدها العالم الآن، وأكثرها دمارًا، كما أنها تعد من أعظم الحروب وأشدها فتكًا؛ لأنها مجهولة الجهات التي تقوم بها فلا تعرف الدولة التي تتعرض لأي هجوم سيبراني من هو الفاعل ولا حدود الكارثة السيبرانية بعد وقوعها.
وقد كانت لبنان خلال الــ 48 ساعة الماضية على موعد مع هذا النوع من حروب تقنية المعلومات أو الحروب السيبرانية بعد وقوع سلسلة متزامنة من الانفجارات التي اجتاحت مناطق متفرقة في البلاد بعد تفجير أجهزة الاتصال المحمولة السمامة "البيجر" في أيدي من يحملونها، وهذا النوع من الحوادث أو التفجيرات هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط بهذا الشكل، فالحروب السيبرانية أصبحت موجودة على السطح لكن ليست بهذه الفكرة أو الترتيب والتكنيك عالي المستوى.
والمتابع لفكرة هذه الهجمات أو الحروب يجد أن المصطلح تم التعرف عليه بشكل كبير عام 2003 عندما قامت مجموعة من القراصنة الإلكترونيون السوريين التابعين للنظام السوري بشن هجمات إلكترونية على مواقع عالمية ونشر أخبار كاذبة عليها تخص البيت الأبيض.
وبعد ذلك توالت الهجمات المختلفة والتي كانت تحت غطاء الحرب السيبرانية. ولم تكن الدول العظمى بمنأى عن هذا النوع من الحروب حيث تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وغيرها من الدول لوقوع هجمات سيبرانية ولكن أيضًا ليست بنفس ما حدث في تفجيرات "البيجر"، حيث تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية عام 2014 لحوالي 100 ألف هجمة إلكترونية، واختراقات متعددة. والفرق بين هذه الهجمات وهجمات "البيجر" أن الأولى كانت تقنية إلكترونية استهدفت أجهزة ومؤسسات لكن تفجيرات "البيجر" استهدفت أشخاص.
ومن لا يعرف، فإن "البيجر" هو جهاز لاسلكي صغير يُستخدم لإرسال، واستقبال الرسائل النصية القصيرة أو التنبيهات، ويعتمد عمله على إرسال إشارات عبر الشبكات اللاسلكية، وهذا النوع من الأجهزة موجود مع قادة، وقيادات، ورجالات حزب الله اللبناني، حيث تفجرت آلاف من أجهزة "البيجر" التي يستخدمها عدد كبير من أعضاء حزب الله في الاتصالات في وقتٍ واحد؛ ما أسفر عن مقتل العشرات، وإصابة الآلاف بجروح متفاوتة الخطورة، وفق بيانات وزارة الصحة اللبنانية، لتبدأ بعد هذه الانفجارات سلسلة من التساؤلات أهمها: كيف انفجرت أجهزة "البيجر" الموجودة في أيادي عناصر حزب الله في لبنان؟ والسؤال الأهم من فخخها لتنفجر في لحظة واحدة؟!
أصابع الاتهام اتجهت جميعها إلى الكيان الصهيوني، وأكد حزب الله اللبناني أن إسرائيل وراء ما حدث من هذه الهجمة السيبرانية، وفي المقابل سادت حالة من الهدوء في إسرائيل عقب التفجيرات، ودعا رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو وزراءه إلى عدم التعليق على التفجيرات؛ بل إن إسرائيل رفعت حالة الاستعداد القصوى على حدودها تحسبا لأي رد من حزب الله.
ووفقا لما ذكرته أجهزة استخبارات عالمية ولم تنفِهِ إسرائيل فإن جهاز الموساد الإسرائيلي زرع كمية صغيرة من المتفجرات داخل خمسة آلاف جهاز "بيجر" طلبها حزب الله قبل أشهر من إحدى الشركات التايوانية وهو من طراز "إيه.بي 924"، لتخرج الشركة عن صمتها وتؤكد أن أجهزة "البيجر" المنفجرة تم تجميعها بواسطة شراكة بين الشركة التايوانية وشركة أخرى تقع في المجر.
ونفت تماما الشركة التايوانية أن تكون هي التي وضعت كميات صغيرة من المتفجرات في الأجهزة. وخرج علينا مؤسس الشركة التايوانية ليؤكد أن الشركة لم تصنع أجهزة "البيجر" التي تعرضت للانفجار في لبنان، لكنها من إنتاج احدى الشركات الأوروبية ولها الحق في استخدام العلامة التجارية للشركة التايوانية.
وبعيدًا عن كل هذا التراشق يأتي الهجوم السيبراني قبل ثلاثة أسابيع تقريبا من مرور عام كامل على حرب إسرائيل ضد فلسطين، وتحديدا في قطاع غزة وحرب الإبادة الجماعية التي تقوم بها إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين وحركة حماس وفي القلب من هذه الحرب دخول حزب الله اللبناني على الخط في الحرب المستمرة قرابة عام كامل، ورغم وقوع ضحايا ومصابين في صفوف عناصر حزب الله بسبب تفجيرات "البيجر"، أعلن "مواصلة" عملياته العسكرية ضد إسرائيل وأن التفجيرات لن توقف مسيرته وسيكون الرد على إسرائيل قاسيًا.
والمراقب للمشهد يجد أن الهجوم السيبراني لم يستهدف فقط مستخدمي أجهزة البجير بل استهدف ايضًا مستخدمي أجهزة الاتصالات اللاسلكية الأخرى من نوع الووكي توكي Walkie Talkies ورغم أنها أقل انتشارا وتوزيعا بين عناصر حزب الله، تم استهداف حامليها أيضا لأنها موزعة بين منظمي الحشود في الجنازات والمسيرات.
والمتابع للساعات الأخيرة قبل عملية تفجيرات "البيجر" فقد أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ستنفذ عملية في لبنان الثلاثاء دون أي تفاصيل حول ما كانوا يخططون له، وبعد ما حدث استيقظ العالم على الهجوم السيبراني الأول من نوعه منذ بداية الحرب في غزة في 7 أكتوبر 2023.
ووفقا للتعريف العالمي لمفهوم الحرب السيبرانية، فإنها عبارة عن هجمات إلكترونية بقيادة عسكرية تقوم باختراق كل ما يعتمد على التكنولوجيا، والتي تكون نتائجها كارثية؛ مثل سرقة بيانات خاصة، أو التفجيرات كما حدث في تفجيرات "البيجر"، وغيرها من الكوارث التي قد تكون عالمية مثل الحروب النووية وغيرها.
والسؤال، الذي بات طارحًا نفسه على المشهد ولا يوجد سؤال غيره، هل ستتحول أجهزة التواصل إلى أسلحة محمولة، ومدمرة وسينتهي عصر الأسلحة التقليدية والمتطورة والاغتيالات المباشرة والطائرات المسيرة والقاذفات العابرة للحدود، وتدخل العمليات السيبرانية كلاعب جديد في مسرح العمليات العسكرية العالمية؟!
وهل ستشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الصراع مع الكيان الصهيوني الذي حمله حزب الله مسؤولية العملية بشكل رسمي وكامل؟! أسئلة ستجيب عنها الساعات القليلة المقبلة وصولًا إلى مرور السنة الأولى على عملية "السيوف الحديدية" التي جاءت ردًا على عملية طوفان الأقصى.