محمد البياع
من المعلوم، أن قانون الإجراءات الجنائية يضع القواعد التي تحدد الوسائل التي تلجأ إليها الدولة، منذ وقوع الجريمة لضبط الجاني وملاحقته، وإثبات ارتكابه الجريمة، والقواعد التي تنظم اختصاص الهيئات القضائية، والتي تُحدد إجراءات المُحاكمة، وضمانات المُتهمين حتى صدور حكم باتّ، تُوقع الدولة بمُقتضاه على الجاني، العقوبة التي ينص عليها قانون العقوبات والقوانين ذات الصلة.
وأرى أن قانون الإجراءات الجنائية غاية في الأهمية من حيث تدقيقه؛ كونه يُنظم مُجريات التقاضي الجنائي، ويُحدد آليات سير المُحاكمات، وحقوق وواجبات كل طرف من المُتقاضين، ومُحاميهم، والنيابة، والقضاء، وجهاز الشرطة، ووسائل الإعلام، وفئات المُجتمع.
وللعلم، هذا المشروع ليس جديدًا بالكلية، إذ ترجع جذوره للعام 1968، كما أنه شمل مُعظم التعديلات، التي أُدخلت على قانون الإجراءات الجنائية، الصادر 1950، وآخرها التعديل، الذي جاء به القانون رقم 1 لسنة 2024، الخاص باستئناف الجنايات.
وقد جاء المشروع، في 6 كتب مُشتمل على 540 مادة، الكتاب الأول في الدعوى الجنائية وجمع الاستدلالات والتحقيق، والكتاب الثاني في المحاكم، والثالث في الطعن في الأحكام، والرابع في التنفيذ، والخامس في التعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية، ويشمل طلبات تسليم المُتهمين والمحكوم عليهم والمُساعدة القضائية الأجنبية، والكتاب السادس في أحكام عامة تضمن حماية المجني عليهم والشهود والمبلغين، والتعويض عن الحبس الاحتياطي، وإجراء التحقيق والمُحاكمة عن بُعد من خلال وسائل الاتصالات الحديثة، وحساب المُدد، والمُساعدة القضائية.
ولعل أهم ملامح مشروع القانون، من وجهة نظري كرجل قانون، إضافة الكتابين الخامس والسادس، إذ ليس لهما مثيل في القانون الحالي، كما وضع المشروع في الفصلين الثالث عشر والرابع عشر من الكتاب الثاني، الخاص بالمحاكم ضمانات للمُتهمين المصابين بأمراض عقلية ونفسية، وللمجني عليهم المُصابين بأمراض عقلية ونفسية، والمجني عليهم من الأطفال، كما وضع المشروع أحكامًا جديدة ومُفصلة لإعلان الخصوم في الباب الثاني، وذلك في المواد 228، وما بعدها من المشروع، مع إنشاء مركز للإعلانات القضائية الهاتفية، والنص عليه في المادة 230 من المشروع، وأوجب المشروع في المادة 231 أن تتضمن ورقة الإعلان بيانات مُفصلة أهمها بيانات القضية وموضوعها.
ولا خلاف، على أن من أبرز القضايا المُتعلقة بهذا القانون، هي قضية الحبس الاحتياطي لأنها قضية تشغل الرأي العام، وانتهى إلى مجموعة من التوصيات المُهمة، مُضيفًا أن الحبس الاحتياطي يجب ألا يكون عقوبة، لأنه في الأصل إجراء وقائي.
وهنا أود التأكيد على أن القانون لن يخرج من مجلس النواب، وفيه ما يمس الحريات، بل سيكون مُستوفيًا لكل الحقوق ومُطابق للدستور، وذلك لما ألمسه من اهتمام من الدولة، ومن النقاش المُجتمعي الموسع من كافئة الفئات المعنية.
القانون الجديد عَدِّل كل تجاوز في القانون القديم، ومنه عدم وضع مُدة مُحددة لانتهاء التحقيق في القضية، وقد قامت الدولة بفتح الحوار حول هذا الأمر الهام للغاية، وطلب الرئيس عبد الفتاح السيسي، من الجميع المُشاركة، والتعبير عن الرأي، بل وأحال مشكلة الحبس الاحتياطي للنقاش.
ولعل أبرز التعديلات الواجب الإشادة بها، والداعمة للعدالة، ولمبادئ حقوق الإنسان بهذا الصدد، أن أعطى مشروع القانون لوكيل النيابة إصدار قرار بالحبس الاحتياطي 4 أيام في وقائع الجنح والجناية المُعاقب عليها بالحبس مُدة لا تقل عن سنة.
وإذا أراد عضو النيابة مد الحبس الاحتياطي بعد ذلك، فيكون بقرار من القاضي الجزئي بعد سماع المُتهم والنيابة لمُدد لا تزيد كل منها عن 15 يومًا، ولا يتجاوز مجموعها 45 يومًا.
وإذا لم ينته التحقيق، ورأت النيابة مد مُدة الحبس الاحتياطي، يتم عرض الأوراق على محكمة الجنح المُستأنفة، لتصدر أمرًا بمد مُدة الحبس أو التدبير لمُدد مُتعاقبة لا تزيد كل منها عن 45 يومًا، إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، أو بالإفراج عن المتهم أو بإنهاء التدبير بحسب الأحوال، ويتم عرض الأمر على النائب العام، إذا انقضى على حبس المُتهم احتياطيًا 90 يومًا، وذلك لاتخاذ الإجراءات.
مشروع قانون الإجراءات الجنائية، لا تزال النقاشات وردود الأفعال مُستمرة حوله، حيث طالب خبراء القانون والإعلاميون والنقابات بفتح حوار مُجتمعي حول مسودة قانون الإجراءات الجنائية لما له من تأثيرات مُحتملة على المواطنين والمُتقاضين، وأطراف العدالة كافة بمن فيهم سلطات إنفاذ القانون.
وردًا على هذه المُطالبات التي صاحبها جدل واختلاف في الرأي، أعلن مجلس النواب في بيان رسمي، أن أبوابه ما تزال مفتوحة لمناقشة أية تعديلات على مشروع القانون المُثير للجدل.
وفي المقالات المُقبلة، سأتناول بوصفي رجل قانون، من الناحية الفنية القانونية الضمانات والمزايا التي اشتمل عليها مشروع القانون، والتي في الأصل تُمثل ضمانات العدالة وحقوق الإنسان، وكذلك استعراض المواد محل النقاش والخلاف بين الجهات المعنية بالقانون، وكذلك إلقاء الضوء على مشروع قانون الإجراءات الجنائية لشرح مواده المُقترحة بشكل مُبسط ويسير، فلكل مواطن الحق في فهم وإدراك حقوقه القانونية والدستورية، كي يعي ويطمئن.