أحمد محمود
نظرت إليه وابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت له، هل تذكر ذلك الطعام "المغشوش" الذي جرى ضبطه في أحد المطاعم الشهيرة، وقيل إنه من لحم الحمير؟! ضحك صديقي، وقال: طبعًا، لقد كان اكتشافًا مُذهلًا، ومُضحكًا أيضًا، ولكن ما علاقة ذلك بالغش في الامتحانات الدراسية؟!
قلت له إنني أعتقد أن هناك علاقة وثيقة، فالغشاش يُفضل أن يجد وسيلة سهلة للنجاح، هو لا يحب أن يبذل الجهد في التعلم واكتساب المعرفة؛ فتصبح تلك عادته، حتى حين يصبح مسئولًا؛ مُهندسًا كان أو طبيبًا أو موظفًا، وهو الذي من المُفترض أن يبذل جهدًا كبيرًا لإتقان عمله، وأن يحرص على ذلك بكل ما أوتي من قوة حفاظًا على أرواح الناس ومُمتلكاتهم، ولو كان صاحب مطعم شهير، يثق الناس في مُنتجاته عليه أن يحرص على الحفاظ على تلك الثقة، لا أن يغش الناس بلا وازع من ضمير.
قُلت لصديقي أيضًا، إنني أظن دائمًا أن من ينجح بالغش في دراسته، يصبح غشاشًا في كل شيء، وهو أمر خطير من وجهة نظري، فالغشاش قد يصبح يومًا تاجر مواد غذائية، أو مُقاول بناء مثلًا، أو مسئولًا في مصلحة حكومية، أو رجل أعمال، وهناك أمثلة لرجال أعمال أتقنوا فن الغش، كما أن تاريخ مصر المعاصر مليء بأسماء من تاجروا في اللحوم، والدواجن الفاسدة غير الصالحة للاستهلاك الآدمي، وأظن أنهم كانوا على درجة كبيرة من الذكاء، لكنني أعتقد أنهم كانوا من الغشاشين في المدارس أيضًا.
أعرف رجل أعمال سكندري شهير يعمل في مجال المقاولات والعقارات، يُقال عنه إنه كثيرًا ما تحايل على الناس، وله قضايا استيلاء على أموال قروض من بنوك، حتى إنه في إحدى المرات هرب خارج البلاد؛ بسبب التهرب من سداد تلك القروض، وعندما أسس شركة مقاولات لابنه، تلاعب الابن أيضًا بعُملاء الشركة، وعلى الرغم من خسارته كثيرًا من الأموال إلا أنه حاول التملص من الخسارة بالغش والتلاعب، وأظن مما سمعته عن أدائه أنه كان من الغشاشين في المدارس أيضًا.
قلت له إنني أفكر أحيانًا في أنه ماذا لو أجرينا بحثًا علميًا مُعمقًا عن مصير الغشاشين، بحيث نعلم إلى أين وصلوا، وما هي المناصب التي احتلوها، سواء في الماضي أو في السنوات الأخيرة مثلًا، وهل كانوا على مستوى جيد من الإدارة؟.. أم أنهم ارتقوا في مناصبهم بالغش أيضًا؟.. وماذا عن الأطباء الذين ارتكبوا أخطاء طبية؟.. تلك الأخطاء التي أودت بحياة المرضى أو أصابتهم بإعاقة مثلًا، هل نجحوا في دراستهم دون غش؟.. أم أنهم كانوا من الغشاشين؟!.. وماذا عن المحامي الذي يبيع أسرار موكليه لخصومهم لقاء المال؟!.. حتى الصحفي، الذي ينقل الأخبار من المواقع، وينسبها لنفسه دون أن يتحرى الدقة، أو ينشر الشائعات لتحقيق قراءات كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فيتضرر الناس من هذه الشائعات، أظن أنه كان من الغشاشين في المدارس أيضًا.
هُناك مئات العقارات التي انهارت؛ بسبب الغش في المواصفات، وأعتقد أن المقاول الذي قام ببنائها، إذا كان قد تعلم في صباه في المدارس، كان غشاشًا، وكذلك المهندس المدني الذي أشرف على بنائها، وموظف الحي الذي اعتمد التراخيص أيضًا.
لا أزال أتذكر حادث انهيار عمارة لؤلؤة هليوبوليس، والمعروفة باسم عمارة "الحاجة كاملة"؛ تلك العمارة التي انهارت على ساكنيها، جراء زلزال أكتوبر 1992، وأظن أن الغش في المواصفات، كان من أسباب انهيارها، إذ لم تتحمل هزات الزلزال لبضع ثوان.
قد يبدو الأمر تافهًا حين ننظر إليه من بعيد، لكن الأمر بالفعل غير ذلك، فحين تربط النتائج بالمُقدمات، ستجد أن الغش أوصلنا إلى مراحل غير مسبوقة من المُعاناة في كل المجالات، إذ استشرى الغش في كل القطاعات، في الغذاء، والصحة، والعقارات، والمُنتجات الصناعية، وقطع غيار السيارات، والزيوت والفلاتر، في كل شيء تقريبًا، وانتشر الغشاشون في كل مكان، خصوصًا على مواقع السوشيال ميديا حيث يروجون لبضاعتهم المغشوشة؛ مما أثر على صحة المصريين وأموالهم ومُستقبلهم.
قد لا تظن أن الغش في إجابة سؤال في امتحان صغير، يُمكن أن يؤدي إلى ذلك كله، لكنك لو فكرت في كل المصائب التي تحدث من الفاسدين، فإنك ستُدرك أن كثيرًا من المآسي، والمصائب التي يتعرض لها الناس في مصر سببها الأول وبالأساس هو الغش!
أستطيع أن أضرب لك آلاف الأمثلة، وأن أُعيد عليك آلاف الأخبار التي تضمنت جرائم، قامت على الغش، منها مثلًا قضية أكياس الدم المغشوشة 2009، والتي راح ضحيتها مرضى لا ذنب لهم، تلوثت دماؤهم بفيروسات خطيرة، دون ذنب أو جريرة.
وأخيرًا، سأظل أكره الغش يا صديقي العزيز؛ بل وأتمنى أن يتم تسجيل الغشاشين في قوائم، تمنعهم من تولي المناصب الكبرى، أو حتى التعيين في الوظائف الحكومية، وتكون بمثابة مرجع يتم الرجوع إليه، لفحص من يقومون بالصفقات، ومن يتعاقدون على بناء المباني، وأي شيء يُمكن أن يُهدد حياة المصريين، بحيث يتم مُراقبتهم أضعاف ما يمكن أن يوضع من رقابة على الناس، حتى لا يقع بسببهم ضحايا جرَّاء قيامهم بالغش، إن هم أرادوا ذلك، واستعدوا له بكل فنون الغش التي أتقنوها منذ أن كانوا صبية صغارًا غشاشين.