البث المباشر الراديو 9090
الكاتب الصحفي أحمد عنتر
كنت فخورا بأبى عندما كان يفرش ذكريات حرب أكتوبر حوله، وينتقى لى منها أزهارا وعبرا، كان يتحدث عن النصر كأنما هو الذهب المصفى، وكان يقول إن العيش منتصرا يختلف اختلافا جوهريا أن تحيا وسط الهزائم.. كان الراحل فيلسوفا رغم أميّته، وكان حانيا رغم ظروف الحرب والوطن، وقسوة المعارك، وسنوات الخدمة العسكرية.

كان الراحل رجلا حقيقيا تشرّب كل شيء من عسكريته المجيدة، فكان منضبطا صادقا فى وطنيته، محبا لأهله، متألقا فى حكمته ومحبته، وكان عندما يحكى يزداد وجهه ألقا وإشراقا.. يقول إن صباح السادس من أكتوبر من العام 73 كان استثنائيا فى شمسه وضيائه وكان مغلفا بحب الوطن وعزة الإيمان.

«الشمس كانت غير عادية هذا الصباح»، إنه يومها كمن رأى وآمن، عندما نظر مع رفاقه إلى السماء فوجدوا الطير رابضا فوق رؤوسهم، وأحسوا كأن السماء ترجف بالهيبة والتوقير، اليوم بدا لعينيه استثنائيا بقوة، كان ملتحفا فيه كعادته تلك الفترة سلاحه الثقيل وعزيمته الصلدة، هكذا كان أبى يوم العبور المجيد.

لم يكن الراحل يهاب شيئا، كان مقاتلا حتى فى حياته العادية، قائدا حكيما يخشاه كل ملتو، أبا طيبا يحبه الجميع، دون شوْب، لذا كان يوم الحرب مقداما كعادته، متأهبا للقتال، تواقا للنصر.. كان أبى يحب قادته جميعا، يبجلهم ويقدر أدوارهم، التى حكى لى عنها جميعها بتفاصيل دقيقة غير مملة.

قال لى عن هذا اليوم «ظننا أنها خدعة، سنتحرك كالمعتاد إلى شط القنال ثم ننسحب لإرباك العدو فقط، لكننا لم نكن ندرك أن اليوم سيكون يوم الكرامة«، يقول إنه همس بهذا الأمر لقائده رفعت إسكندر – الله يقدس روحه (هكذا يقول بعدما يذكر اسمه) – فابتسم الأخير فى حبور وشجاعة، أو كما قال.. يحكى بفخر ويرتعد جسده زهوا، بينما تخرج الكلمات من فمه مزينة بالذكريات، التى ذهبت معه إلى عليين.

ظللت طوال حياتى أخال العظيم الراحل رجلا غير كل الرجال، أراه - يقظة وحلما - بزى الحرب مهيبا شامخا، يمسك فى قبضتيه برمال الأرض، يخطو بثقة وثبات على قطعة بلادنا المستردة، رمزا جليا لامعا كالصخر فى وهج الشمس.. كنت أراه رغم تلك الهيبة بادى الطيبة، عريق الملمح، بشوش الوجه، حاضر الطرفة، لا يلين أبدا وقت الصعاب ولا يمل من تقديم النصح ونثر الخير، أينما حل.

أبى كان نموذجا للبطل فى نظري، نموذجا لا يهرأ ولا يهتز، إذ كان يحكى – صادقا – كيف واجه المستحيل مع رفاقه الذين لم ينسى منهم اسما واحدا، ولا موتة واحدة، بل كان دامع العينين مهتز الشفتين إذا ذكر واقعة استشهاد لأحد رفقائه، كان يقول إنهم كانوا أقرب إليه من الشقيق، تشاركوا الحياة والموت معا، الصيام والعيد معا، ذل أيام الهزيمة وآلامها، وحلاوة النصر وآماله، كما سمع من الرئيس الراحل أنور السادات.

أبى ذلك الراحل العظيم، كان مكتفيا بنفسه، فلاحا يحمل رسالته مع فأسه، دائم التفاؤل، لكنه فى الوقت نفسه شديد الحذر.. كان مقاتلا مثاليا، وأبا مثاليا كذلك، لم ينس فى كل مراحل حياته المسؤولية على اختلاف شدتها، ولم يكن مريضا بإلقاء اللوم على غيره، كان يتحمل ويتحمل ويوجه ويقدر، كان مختالا بإنجازاته فخورا بصبره ومثابرته وأبنائه، ولم يكن يوما ناسيا للجميل، ناكرا لفضل الحرب فى نفسه، كان يقول دوما إن النصر صنع منه رجلا مختلفا بأحلام مختلفة.

البطل الراحل سعيد محمد عنتر


جُندي مُقاتل/ سعيد محمد عنتر

كان أبى يحمل الذكريات حملا، مثقلا بما تمثله من دروس وعبر، كان يكفيه أنه يقاتل فى الحياة كما قاتل فى 6 أكتوبر 73، وكان يمتعه ذكر الأحبة من رفاق الدرب، حتى على سرير الموت بعد عشرات السنوات من الانتصار المجيد، كان يكفيه كل هذا المجد الذى قال عنه القائد السادات «لست أظنكم تتوقعون منى أن أقف أمامكم لكى نتفاخر معا ونتباهى بما حققناه فى أحد عشر يوما من أهم وأخطر بل وأعظم وأمجد أيام التاريخ«، كان يكفيه أنه كان بطلا، بينما يكفينى حتى هذه اللحظة أنه كان أبى!

على الهامش

داخل تلك المقالة استأذنت أن أضع صورة أبي، حتى يكون مطمئنا فى عليين أنه ترك ابنا فخورا به، سائرًا على دربه – كلما استطاع - فى العطاء والمثابرة والحكمة، ترك ابنا يحمل، مع ملامحه وروحه، مسؤولية الحفاظ على ذكرياته ورسالته ومجده السابح معه فى الملكوت، إلى روحك السلام والمحبة والمجد يا أبى..

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز