البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
ربما لا يعرف كثير من المصريين جهود الدولة المصرية في واحد من الملفات الهامة التي لها علاقة بالصحة، وهو ملف "الصحة النفسية".

وربما لا تعرف أيضًا دول العالم التي تتباهى بمجهوداتها في هذا الشأن الدور الذي تقدمه الدولة المصرية لمواطنيها، وكيف دعمت الدولة ملف الصحة النفسية للمواطنين، وأهم المبادرات المُقدمة.

تأتي كتابة هذه السطور بمناسبة احتفال العالم وفي القلب منه مصر باليوم العالمي للصحة النفسية، وقد قامت الأمم المتحدة بتخصيص هذا اليوم في محاولة لإذكاء الوعي بقضايا الصحة النفسية، وتعبئة الجهود من أجل دعم هذا الأمر، وقد اختارت الأمم المتحدة عنوان هام لهذا الملف في الاحتفال به في 2024، وهو "الصحة النفسية في مكان العمل" لإبراز الصلة الجوهرية بين الصحة النفسية والعمل، وكيف يمكن أن تتيح بيئة العمل الآمنة والصحية عامل وقاية للصحة النفسية، وفي المقابل كيف تؤثر نتائج ظروف العمل المتردية على الصحة النفسية ونوعية الحياة بشكل عام ومن ثم على المشاركة أو الإنتاجية.

بالأرقام أكدت الاحصائيات التي أعلنت عنها منظمة الصحة العالمية أن 60% من سكان العالم يمارسون عملا، لذا أصبح ضروريا اتخاذ إجراءات عاجلة تهيئ بيئة عمل تكفل الوقاية من مخاطر اعتلالات الصحة النفسية وحماية ودعم الصحة النفسية في العمل.

ولمن لا يعرف فإن الدولة المصرية مهتمة بشكل كبير بقطاع الصحة النفسية، ويتمثل ذلك من خلال "الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان" وهي الأمانة الموجودة داخل حرم مستشفى العباسية للصحة النفسية بالقاهرة، وقد أنشئت هذه الامانة بتاريخ 25 ديسمبر 1997 بقرار من وزير الصحة والسكان وقتها، ثم صدر بعد ذلك القرار الوزاري بتحديد اختصاصاتها بتاريخ 21 يناير 1998، وقد وصل عدد المستشفيات المنضمة والتابعة إلى الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان 20 مستشفى ومركزًا لتقديم خدمات الطب النفسي، وعلاج الإدمان في معظم محافظات مصر، وتشرف الأمانة العامة للصحة النفسية على متابعة الخطط العلاجية المختلفة بالمستشفيات التابعة لها والإشراف على تطويرها وإضافة مستشفيات ومراكز أخرى لها بمحافظات جديدة، كما تقوم بمتابعة تطبيق قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009، والخاص برعاية المريض النفسي في جميع المستشفيات والمراكز التابعة لها، والتحقيق القانوني في أي شكوى ترد بخصوص أي انتهاك لأي من حقوق المرضى بالمنشآت التابعة لها.

ولا ننسى اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، بهذا الملف وإطلاق عدد من المبادرات الرئاسية في مجال الصحة النفسية، والتوجيه بالبدء في تنفيذ مشروع إنشاء مستشفى "سكينة" للصحة النفسية وعلاج الإدمان بمدينة العلمين الجديدة، وسرعة الانتهاء من تطوير مستشفى الخانكة للصحة النفسية بمحافظة القليوبية، وإنشاء مراكز طبية للإقامة الممتدة للمرضى وكبار السن وذوي الاعاقة، ومن المبادرات في هذا الشأن مبادرة رئيس الجمهورية لدعم الصحة النفسية والتدخل المُبكر لاضطرابات طيف التوحد، وهي مُبادرة ترتكز على تطبيق المسح والكشف المبكر، عن طريق مسؤول المبادرة الموجود بوحدات ومراكز الرعاية الأولية، باستخدام تطبيق الـ M-Chat الذي يعد أكثر المسوح استخداما على مستوى العالم، وذلك مع مواعيد التطعيم عند عمر 18 شهرًا، فضلًا عن تقديم النصائح للمتابعة والوقاية.

وكذلك مُبادرة رئيس الجمهورية لدعم الصحة النفسية "صحتك سعادة"، والتي تأتي في إطار الاهتمام بتعزيز رفاهية المواطنين وضمان حياة صحية للجميع، حيث تهدف المبادرة إلى خلق مجتمع يتمتع فيه الجميع بالصحة النفسية والسلامة وجودة الحياة من خلال تقديم سلسلة من البرامج والمسوح التي تستهدف مختلف الفئات العمرية والاحتياجات النفسية، حيث أن اضطرابات القلق والاكتئاب هي أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا وتؤثر على ما يقرب من 30% من البالغين في وقت ما خلال حياتهم، وكل هذه الإجراءات تؤكد حرص الدولة المصرية على الاستثمار في الصحة النفسية وتنفيذ مشروعات ذات جودة فائقة لخدمة مواطنيها.

كما أن الدولة المصرية تقدم عدد من الخدمات المتعلقة بالصحة النفسية منها خدمات الصحة النفسية للرجل والمرأة في مرحلة الشباب والرشد، وخدمات الصحة النفسية للأطفال والكبار، وأطلقت الأمانة العامة للصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة والسكان عدد من حملات التوعية على مدار سنوات عملها منها حملة "معاك للنور" استمرت 50 يوما للتوعية بالمرض النفسي من خلال فيديوهات ومنشورات على صفحات التواصل الاجتماعي، وحملة التوعية بمرض "الألزهايمر" وهي حملة سنوية تمتد طوال شهر سبتمبر سنويا للتوعية بمرض الالزهايمر، وحملة "دي لا شقاوة ولا إهمال دي فرط حركة ونقص انتباه" وهى حملة سنوية للتوعية من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وتستهدف الحملة أماكن تجمع الأباء والأمهات للتوعية بالاضطراب، وحملة "عيد من غيرها" وهو نشاط سنوى فى الأعياد والمواسم التى تظهر فيها انتشار استخدام المخدرات بين الشباب، وتستهدف الحملة أماكن تجمع الشباب للتوعية من مخاطر استخدام المخدرات أو الانتكاسة من الادمان.

أيصًا هناك حملة "تقدر من غيرها" حيث تستهدف بشكل سنوي فئة المراهقين للحد من انتشار استخدام المخدرات في هذا السن، وتقوم الحملة بالنزول الى أماكن تجمع المراهقين في المدارس والنوادي ومراكز الشباب للتوعية وحث المراهقين على رفض استخدام المخدرات وحملة توعوية بعنوان "اّن الأوان نعرف أكتر عن المرض النفسي" كان هدفها التعريف بالأمراض النفسية من خلال مطبوعات وفيديوهات للتوعية حيث تضمنت الحملة 16 موضوع للمرض النفسى منها اضطراب الاكتئاب واضطرابات النوم والألزهايمر وجلسات ضبط إيقاع المخ والفصام وغيرها.

واحتفالًا باليوم العالمي للصحة النفسية، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن بعض جهود الدولة في هذا الإطار منها تقديم 624 ألف و929 خدمة طبية بالعيادات الخارجية للمستشفيات والمراكز التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية فى مختلف تخصصات الطب النفسي وعلاج الإدمان وذلك منذ يناير 2024 حتى أكتوبر الجاري وإضاءة 24 مستشفى ومركزا للصحة النفسية في 15 محافظة، بالإضافة إلى إقامة العديد من الندوات التثقيفية للمرضى وذويهم، وعدد من الأنشطة الترفيهية والتثقيفية والمسابقات التي تقدمها الأمانة للأطفال المترددين على العيادات والمستشفيات.

وبالعودة مرة أخرى إلى اليوم العالمي للصحة النفسية فإن التوصيات التي أعلنت عنها الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، في هذا الشأن تطالب الحكومات وأصحاب العمل وغيرهم من أصحاب المصلحة بالتعاون مع المسؤولين عن صحة العاملين وسلامتهم لتحسين الصحة النفسية في مكان العمل، وأوصت أيضًا بضرورة مشاركة العاملين أنفسهم وممثليهم والأشخاص الذين عاشوا تجربة الإصابة باختلالات الصحة النفسية في الإجراءات المتعلقة بالصحة النفسية في مكان العمل، هذا بخلاف تسخير الجهود واستثمار الموارد في ضمان حصول الجميع على فرصة للازدهار في العمل والحياة، ورفعت من خلال هذه التوصيات شعار هو "علينا ان نتخذ إجراءات اليوم من أجل مستقبل أوفر صحة".

وقد أطلقت منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة عدة رسائل بهذه المناسبة منها الصحة النفسية والعمل مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وأن العاملون معرضون لمخاطر تؤثر على صحتهم النفسية، وغالبا ما يكون العاملون في الوظائف المتدنية الأجر أو غير المأمونة أكثر عرضة للمخاطر النفسية والاجتماعية بسبب الافتقار إلى قدر كاف من تدابير الحماية.

من الرسائل أيضًا أنه بدون الحصول على الدعم يُمكن أن تؤدي اضطرابات الصحة النفسية إلى زعزعة الثقة بالنفس والحد من الاستمتاع بالوظيفة والقدرة على العمل، وهذا لا يؤثر على الأفراد المعنيين فقط بل يؤثر أيضًا على أسرهم ومقدمي الرعاية لهم.

على الصعيد العالمي، يؤدي الاكتئاب والقلق إلى فقدان نحو 12 مليار يوم عمل كل عام وتنجم عنهما تكاليف اجتماعية واقتصادية باهظة، وهو ما يؤكد لنا جميعا استباق الدولة المصرية في إدراكها لخطورة الأمر واهتمامها بشكل كبير بملف "الصحة النفسية".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز