حسام الدين الأمير
يأتي منتدى "بريكس" ليؤكد على صدارة مصر للمشهد العالمي سواء برؤيتها السياسية، والاقتصادية، أو بدور قائدها الرئيس عبد الفتاح السيسي، أو حتى بثقلها الإقليمي والاستراتيجي في المنطقة العربية وإفريقيا.
هذه القمة تُعد في رأيي وفي رأي كثير من الخبراء "تاريخية"؛ حيث إنها الأولى، التي تُشارك فيها مصر عضوًا كاملًا بعد انضمامها رسميًا بداية من العام الجاري 2024 ضمن عدد محدود من الاقتصادات الصاعدة.
كما تأتي مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في قمة تجمع دول "بريكس"، المُنعقدة بمدينة قازان، لتؤكد الدور المحوري لمشاركة مصر كعضو في التجمع، وأيضًا الاستماع إلى الرؤية المصرية الحكيمة والمتوازنة والموضوعية فيما يخص العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية واللبنانية، نظرًا لأن مصر بدورها المحوري في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وكانت لها الصدارة في محاولة احتواء الموقف، ودعوة دول العالم أجمع لنبذ العنف، ووضع حد للمجازر التي تشهدها المنطقة، والتي ستؤدي بدورها إلى تحول كبير في شكل الصراع الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أحدث بدوره تحديات اقتصادية وسياسية دولية هائلة.
مُشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في جلسات العمل الموسعة في التجمع كانت دلالة دامغة على وضع مصر الدولي والعالمي خاصة وأن كلمة الرئيس السيسي، ومشاركته، جاءت بحضور زعماء ورؤساء وفود دول "بريكس"، وكانت داخل الجلسة التي تمحورت نقاشاتها حول التطورات الدولية والتعاون الاقتصادي بين دول التجمع، وإعلان قازان الذي سيصدر في ختام القمة.
جاءت رسائل الرئيس، في كلمته لتؤكد للعالم التزام مصر بمبادئ، ومحاور عمل تجمع بريكس، وحرص الدولة المصرية على تعزيز التعاون بين دوله بما يُسهم فى تعظيم دوره فى إرساء الأمن والاستقرار، وزيادة النمو الاقتصادى العالمي، وتحقيق أهداف التنمية المُستدامة.
وبقراءة بسيطة، وسريعة في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، سنجد إنها كانت كاشفة للوضع العالمي الراهن عندما أكد أن الأزمات المُتعاقبة التي عصفت بالعالم، أوضحت عجز النظام الدولي عن التعامل بإنصاف مع الصراعات حول العالم، فضلًا عن حالة الاستقطاب والانتقائية، وأن التطورات الدولية أظهرت أن القصور الذي يعاني منه النظام الدولي الحالي لا يقتصر فقط على القضايا السياسية والأمنية؛ بل يمتد إلى الموضوعات الاقتصادية والتنموية، وكانت كلمته داعمة أيضًا عندما أشار فيها إلى دعمه الكامل لعمل رئيسة "بنك التنمية الجديد" ومُمثلي مجلس أعمال "بريكس"، وتحالف سيدات الأعمال، وآلية التعاون البنكية بالتجمع، وإيمان مصر بالدور المُهم، الذي سيقوم به البنك في توفير التمويل المُيسر لدعم تنفيذ المشروعات التنموية بالدول النامية.
أظهرت كلمة الرئيس أيضًا إيمانه الكامل بأهمية تعزيز النظام الدولي مُتعدد الأطراف، باعتباره ركيزة أساسية للحفاظ على مُكتسبات السلام والاستقرار والتنمية.
وفي رأيي المتواضع، فإن قمة "بريكس" وتوقيتها البالغ الأهمية، يأتي وسط مشهد عالمي مُلتهب، وتطورات إقليمية مُرعبة، وصراعات مذهبية مُقلقة، وحروب داخلية متأججة، وعدوان إسرائيلي غاشم على دول الجوار في المنطقة، وإبادة جماعية بحق سكان غزة، وعلى الخط تدخل لبنان، وتصفيات واغتيالات سياسية فادحة، وصراع عالمي على ثروات دول المنطقة خصوصًا دول القارة الإفريقية، وتوترات دولية على الحدود الأممية، ودور مصري له كل الاحترام والتقدير، وأطراف عربية تدعو لمصالحات مشروطة وهو غير مقبول.
ودول حديثة العهد والنشأة تحاول أن يكون لها موطأ قدم سواء داخل الصراع العالمي أو على أطرافه، وكل ذلك وسط معاناة الكثير من الشعوب العربية والعالمية وفي المقدمة مصر من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي تعاقبت على الدول خلال الأعوام القليلة الماضية، وأثرت بشكل كبير في مسيرتها التنموية والبشرية، وارتفاع مُعدلات التضخم العالمية، وإشكاليات الوصول للعملات الصعبة.
وبعيدًا عن هدف القمة الاقتصادي، ودعم القمة لاقتصاديات الدول الناشئة، حيث إن تجمع دول بريكس يمثل نسبة 45% من إجمالي سكان العالم، ويمثل مجموع اقتصادات هذه الدول أكثر من 28.5 تريليون دولار بما يعادل 28% من إجمالي الاقتصاد العالمي، وعلى الرغم من ذلك فإني أرى أن القمة من ناحية أخرى، تعد قمة عالمية للدول والقوى العظمى، سياسيًا، والتي لها ثِقَل على الصعيد الدولي، والعالمي، وفق قيمة وقوة هذه الدول.
وتأتي مصر ومشاركتها بحضور رئيسها في المقدمة، وأيضًا حضور الرئيس الصيني، شي جين بينغ، ورئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، والرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، وجميعهم تكتلات سياسية، واقتصادية، وبشرية، هائلة من شأنها عند اتحادها أو توافقها على رؤى مُشتركة إصلاحية أن يغيروا العالم بتوجهاتهم، وما يؤكد ذلك هو رغبة دول أخرى في الانضمام إلى التجمع ودعونا نسترجع في أذهاننا ما تحدث به عمر جيليك، الناطق باسم الحزب الحاكم في تركيا، والذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان، عندما قال نصًا "رئيسنا أعلن بوضوح عن رغبة تركيا في المشاركة بكل المنصات المهمة، بما في ذلك بريكس".
وإذا حدث ووجه تكتل "بريكس" دعوة انضمام لتركيا فستكون بذلك أول دولة عضوة في حلف شمال الأطلسي - الناتو تحمل عضوية في تحالف اقتصادي غير غربي تقوده روسيا والصين، خاصة أن تركيا بحاجة إلى تنويع استثماراتها وعلاقاتها في ظل ما تعانيه من أزمة اقتصادية كبيرة.
ومن ناحية أخرى، وفي اعتقادي فإن عمل "بنك التنمية الجديد" سيؤدي إلى تخفيف الضغوط على الدول النامية التي تتعامل بالدولار وسيكون هناك بديل للدولار في المعاملات المالية الدولية نظرا لأن الدولار الأمريكي هو العملة الرئيسية التي تستحوذ على كافة المعاملات في العالم، وتستهدف روسيا بالمقام الأول من وراء التجمع إلى تقويض هيمنة الدولار الأمريكي عليها وعلى المنطقة وعلى اعضاء تجمع البريكس، خاصة وأن هذا التحالف الاقتصادي من شأنه مجابهة النفوذ الاقتصادي والسياسي الذي تحظى به الأمم الأكثر ثراء في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية.
وبالعودة إلى المشاركة المصرية في البريكس فإن حديث الرئيس السيسي خلال مشاركته في جدول أعمال القمة حول الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية المتصاعدة يؤكد وبقوة الدور الحيوي والمحوري الذي قامت به مصر في محاولة منها لرأب الصدع ووضع حد للحرب المشتعلة في المنطقة كما أن تأكيد الرئيس على ضرورة اتخاذ خطوات حقيقية وفاعلة، لإصلاح الهيكل المالي العالمي، بما فى ذلك مؤسسات التمويل الدولية، وبنوك التنمية متعددة الأطراف لتعزيز استجابتها للاحتياجات الفعلية للدول النامية وأهمية تعزيز التعاون بين دول تجمع البريكس فى مواجهة التداعيات السلبية لتغير المناخ.
فضلًا عن وجوب استثمار الميزات النسبية التى تتمتع بها دول التجمع لتنفيذ مشروعات مشتركة فى قطاعات الاقتصاد الرئيسية خاصة قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعات التحويلية والعلوم والتكنولوجيا والابتكار ودفع أطر التعاون المشترك فيما يتعلق بالتسوية المالية بالعملات المحلية إضافة إلى دعوته لتكثيف وتعميق التواصل والتعاون الثقافي بين شعوب دول التجمع جميعها ملفات أكدت عمق الرؤية المصرية وصلابة موقف قائدها في المشهد.