البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
دوما ما تقدم مصر للعالم ويخرج منها خيرة المبدعين في كافة المجالات والعلوم الإنسانية والاجتماعية وأيضا في كافة المعارف السياسية والاقتصادية، فمنها خرج شعاع النور للحضارة الإنسانية، وعلى أرضها وداخل مدارسها تعلم كافة المفكرين، وفكرة المثل القائل أن "مصر ولادة" فهي بذلك حقا، فبعد مرور 51 عاما على رحيل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، لا تزال بصيرته حاضرة معنا رغم فقدانه لبصره.

أمس 28 أكتوبر، حلت علينا ذكرى مولد صاحب البصيرة وقاهر الظلام الكاتب والشاعر والاديب والمؤلف الدكتور طه حسين، عميد الأدب والثقافة العربية، ذلك الشخص الذي لم تقف الظروف حائلا أمام تحدياته التي قرر أن يخوضها ويواجه إعاقته البصرية التي أصيب بها وهو في الخامسة من عمره، ليصبح أول وزير للتربية والتعليم وزارة المعارف رغم الإعاقة، وهو أول من أسس للشعار الذي نسير عليه إلى اليوم في كافة مدارسنا وعلومنا وهو "التعليم كالماء والهواء وهو حق لكل إنسان"

وبقراءة سريعة في حياة صاحب البصيرة فهو من مواليد محافظة المنيا، وبعد فقد بصره وهو في سنة صغيرة، التحق بالأزهر الشريف بالقاهرة عام 1902 واشترك في دروس المبتدئين لمدة ثلاث سنوات، وحضر آخر درسين ألقاهما الشيخ الإمام محمد عبده قبل وفاته، وفي الفترة من 1905-1907 اشترك في دروس المتوسطين في الفقه والنحو.

وبعد ذلك حضر الدروس مع الطلبة المتقدمين، ثم التحق بالجامعة الأهلية المصرية عام 1908، وكان من أوائل المنتسبين إليها، حصل على الدكتوراه عام 1914 وفي نوفمبر من العام نفسه سافر في بعثة إلى فرنسا وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون، وفي عام 1919 عاد إلى مصر وعمل أستاذا للتاريخ بالجامعة المصرية وعين عميدا لكلية الآداب عام 1930 ليصبح بذلك أول مصري يشغل ذلك المنصب، لكنه قدم استقالته من عمادة الكلية بعد عامين، وفي عام 1950 اختير الدكتور طه حسين وزيرا للتربية والتعليم، وكانت تسمى وقتها وزارة المعارف العمومية، وقدم سلسلة من الإصلاحات المهمة في التعليم.

ولمن لا يعرف الدكتور طه حسين فقبل دراسته في الأزهر الشريف كان الأستاذ الأول له الشيخ محمد جاد الرب، الذي علمه مبادئ القراءة والكتابة والحساب وتلاوة القرآن الكريم في الكتاب الذي كان يديره بمركز مغاغة محافظة المنيا.

وبعد التحاقه بالأزهر الشريف تتلمذ على يد الشيخ سيد المرصفي، والشيخ مصطفى المراغي، والشيخ محمد بخيت، والشيخ محمد عبده، وحسبما تتحدث المراجع والأدبيات فقد تتلمذ في المرحلة الجامعية على يد كل من أحمد زكي في دروس الحضارة الإسلامية، وأحمد كمال باشا، في الحضارة المصرية القديمة، والمستشرق الإيطالي إغناطيوس جويدي، في التاريخ والجغرافيا.

أما في الفلك تتلمذ على يد كارلو ألفونسو نللينو، وفي اللغات السامية القديمة على يد المستشرق إينو ليتمان، وفي الفلسفة الإسلامية على يد دافيد سانتلانا، وفي تاريخ الحضارة الشرقية القديمة على يد ميلوني، والفلسفة على يد لويس ماسينيون، والأدب الفرنسي على يد كليمان هوارت، وفي جامعة باريس درس التاريخ اليوناني والروماني والتاريخ الحديث وعلم الاجتماع.

وبعيدا عن العلم والثقافة فإن هناك مواقف ومحطات لا تنسى في حياة قاهر الظلام منها أنه ينسب له الفضل في مجانية التعليم حتى المرحلة الثانوية، وهو صاحب فكرة حصول تلاميذ المدرسة على وجبة تغذية كاملة، ويحسب له ايضا عدم المجاملة في المناصب وعدم المحسوبية في الدرجات العلمية فعندما كان عميدا لكلية الآداب رفض تسليم أو منح الدكتوراة الفخرية لبعض الشخصيات.

كما وصلت مؤلفاته إلى ما يزيد عن خمسين كتابا ترجم معظمها إلى لغات عديدة، ولنا أن نعرف ان الحكومة المصرية رشحت طه حسين لنيل جائزة نوبل مرتين، كما ترأس مجلس اتحاد المجامع اللغوية في العالم العربي عام 1971، وحصل عام 1965 على قلادة النيل، إضافة إلى رئاسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وفي عام 1943م ساهم في تأسيس جامعة الإسكندرية، وعين أول مدير لها، تزوج من السيدة الفرنسية سوزان بريسو التي أثرت في مسيرته وحياته وتاريخه العلمي والادبي فكانت خير رفيق ومعين ومشجع له.

ودعونا نعرف ان إعاقة الدكتور طه حسين البصرية لم تمنعه من تحصيل العلوم والمعارف، وأرى في رأيي أنه استخدم الحكمة التي تقول مهما كانت تحديات الحياة التي تواجهك تذكر دائما ان تنظر إلى قمة الجبل فأنت بهذا تتذكر العظمة وتنظر اليها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز