البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
تبذل الدولة جهودًا مضنية في محاولة ضبط الأسعار، وعلى الرغم من ذلك، فإن الأسعار تواصل ارتفاعها؛ بسبب ارتباط الأسعار بالقوة الشرائية للجنيه، وتأثرها بسعر الدولار، والوقود، وأيضًا؛ بسبب ارتباط السوق بسعر الصرف من ناحية، وتكلفة نقل البضائع من ناحية أخرى، وهو أمر أصبح يُثقِل كاهل المواطن بشكل كبير.

قرأتُ في هذا الصدد، بيان مجلس الوزراء، حول ترؤس رئيس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، لاجتماع اللجنة العليا لضبط الأسواق، وأسعار السلع، وهو ما يعني اهتمام الدولة البالغ بمسألة ضبط الأسعار ورفع العبء عن كاهل المواطن.

تذكرت، وأنا أقرأ بيان مجلس الوزراء، فيلمًا تسجيليًا بعنوان "الكيلو 64" من إخراج أمير الشناوي، حيث يروي قصة شقيقه الذي يقرر استصلاح وزراعة أرض صحراوية تملكها الأسرة، وينجح بالفعل في إنتاج خضروات متميزة، ورخيصة، ولكنه يفشل في تسويقها، حين يحاول أن يتخطى التاجر الوسيط، والذي يرغب في الحصول على المحصول بثمن بخس؛ ليبيعه لتاجر التجزئة، بأضعاف السعر الذي اشتراه به، فإنه يفشل ويخسر وينهار المشروع!

والحقيقة أن الدولة تبذل جهودًا كبيرة لمتابعة حركة الأسواق وأسعار السلع، وتحاول إيجاد حلول لضبط الأسعار لرفع العبء فعلًا عن كاهل المواطن، وهي محاولات دائمة، ليست فقط في هذه الفترة، لكنها محاولات تقوم بها الدولة منذ عشرات السنوات، وخصوصًا مع استمرار الارتفاع في الأسعار العالمية، والتي تؤثر بالقطع، على الأسعار المحلية.

والحقيقة، أيضًا، أن مسألة ضبط الأسعار، ربما تأتي صعوبتها الأساسية من محاولة السيطرة عليها من المنطقة النهائية التي تتعلق بالتسعير، والتي تفشل دائمًا؛ بسبب أن السعر النهائي تتحكم فيه عدة نقاط مختلفة منذ أن يتم إنتاج السلعة وحتى طرحها للاستهلاك في الأسواق.

من المهم هنا إذًا، حين نتحدث عن ضبط الأسعار، أن نحدد أنواع السلع التي يجب ضبط أسعارها، فإذا كنا نتحدث عن السلع الأساسية، وستكون هي السلع الغذائية، فإنه من المهم أن ندرك نقطتين أساسيتين في هذا الصدد، الأولى هي منحنيات العرض والطلب، والثانية هي سلاسل الإمداد؛ إذ يتحكم العرض والطلب في سعر السلعة؛ لأنه يتحكم في مقدار ومدة توافرها في الأسواق، وهي قاعدة تجارية يعلم بها الجميع، ويستغلها التجار، فالطلب على سلعة يحدد قوتها التسويقية، وبالتالي فإن توافر السلعة من خلال سلاسل الإمداد يتحكم في سعرها بالتأكيد، أيضًا.

والحقيقة، أنني فكرت كثيرًا في كيف يمكن ضبط الأسعار بعيدًا عن الطرق التقليدية، ووجدت أن الحل الذي ربما لم تفكر فيه الدولة، هو أن يكون هذا الضبط من خلال البنك الزراعي المصري، والذي كان يُعرف باسم "بنك التسليف الزراعي" ثم "البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي" سابقًا، هذا البنك الذي يتصل بالمزارع المصري في كل أنحاء الجمهورية منذ إنشائه 1930، وهو بنك يعتمد في الأساس على دعم المزارع من خلال القروض الميسَّرة لتدبير احتياجاته للزراعة.

أصبح البنك الزراعي المصري معنِيًا حاليًا، بتقديم القروض للمزارعين منذ الأزمة الاقتصادية العالمية، بشروط ميسرة وتكلفة منخفضة، وتمويل جميع الأنشطة المتعلقة بالزراعة، والمشروعات الصغيرة، بجانب تمويل مشروعات توصيل الغاز الطبيعى والبيوجاز خاصة في الريف.

وهو منذ تأسيسه وحتى اليوم، يضع تنمية الريف المصري على رأس أولوياته، وذلك بواسطة خدماته ومنتجاته المتطورة باستمرار من خلال 1210 فرع تغطي معظم القرى المصرية، حتى أصبح يمول حاليًا أنظمة الري الحديثة، واستخدام الطاقة المتجددة في مجال الزراعة، وهو ما يتماشى مع توجهات الدولة الحالية بتنمية الريف المصري.

أعتقد أن هذا البنك يمكن أن يقوم بإنشاء شركة تعمل على سلاسل الإمداد، وأن تستغل تلك الشركة تواجد البنك في كل مكان تقريبًا بالقرى المصرية، وهو ما يمكن أن يسمح للشركة المقترحة أن تقوم بالتعاقد المباشر مع المزارع، وشراء المحاصيل وضخها ضمن سلاسل الإمداد لتجار التجزئة ولسلاسل الأسواق الكبيرة، ولمصانع الأغذية أيضًا.

يستطيع البنك الزراعي المصري أيضًا، أن ينشئ شركة للنقل، تكون شركة مُتخصصة في نقل المحاصيل والسلع الغذائية، وأن يراعي في أسطول النقل المُقترح للشركة، أن يكون أسطولًا أخضر، يعتمد على الطاقة النظيفة والمتجددة، وهو ما يمكن أن يخدم في المستقبل المشاريع الزراعية، والصناعات الغذائية الكبرى للدولة أيضًا، والتي أصبحت الدولة تتوسع فيها بشكل كبير.

وأخيرًا، فإنني أعتقد أن هذا الحل يمكن أن يُسهم بشكل كبير، في ضبط أسعار السلع من المنبع، وفي ضبط الأسواق؛ بل وسوف يُحد من سيطرة بعض كبار التجار على أسعار المنتجات الزراعية، والمبالغة في أسعار السلع والمواد الأولية للصناعة عند التوريد.

وبالإضافة لذلك؛ فإنه سيرفع من استثمارات البنك العريق الذي ارتبط منذ نشأته بالمزارع المصري، وأظن أن مشروع الشركة المقترح، سوف يسمح للبنك الزراعي أن يدعم المواطن غير المزارع أيضًا، بشكل غير مباشر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز