البث المباشر الراديو 9090
حسام الدين الأمير
ذات يوم خرج علينا العالم الكبير "ألبرت أينشتاين" ليقول لنا حكمته "أخشى اليوم الذي ستتجاوز فيه التكنولوجيا تفاعلنا البشري.. فإنه سيكون للعالم يومئذ جيل من البلهاء"، وقتها وفي رأيي، كان أينشتاين صاحب بُعد نظر فيما سيشهده العالم من تطورات "مذهلة"، وفي نفس الوقت "حقيرة" بشأن استخدام التكنولوجيا سواء في أوقات السلم أو الحرب.

وهنا تعدت التكنولوجيا فكرة الحروب التقليدية التي يستخدم فيها المسدس والدبابة لأبعد من ذلك، وأصبحنا أمام أنواع جديدة من الحروب المتطورة التي تلعب فيها التكنولوجيا دورا كبير في إنمائها وزيادة شرور وتيرتها منها حروب الشائعات التي تلعب فيها التكنولوجيا وخاصة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي دور البطولة.

فعندما بدأنا نتداول مصطلح الذكاء الاصطناعي ظن الكل أننا أمام طفرة تكنولوجية غير مسبوقة من شأنها ان تحول كل ما هو معقد ليسير، وكل ما هو صعب إلى سهل لكن كعادتنا في كل الأحوال لا نأخذ من التكنولوجيات المتطورة فوائدها، لكننا وللأسف نستثمر وبشكل هستيري في سلبياتها.

فالتعريف البسيط للذكاء الاصطناعي هو: تقنية ذات قدرات حل تشبه قدرات الإنسان في حل المشكلات، ويبدو أن الذكاء الاصطناعي في العمل يحاكي الذكاء البشري حيث يمكنه التعرف على الصور وكتابة القصائد وإجراء تنبؤات قائمة على البيانات، لكن الغرب استغل جهل الكثيرين بالتكنولوجيا وبث لنا "السم في العسل" واستطاع أن يبين للعامة أن تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ستعمل على سيطرة الآلة على عمل الإنسان واستطاع من خلال هذه الفزاعة أن ينقل الخوف إلى الجميع، وعندما نجح في ذلك بدأ من بعدها مرحلة جديدة من خلال استخدام كافة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في حربه الخفية الغير معلنة والمتمثلة في حرب الشائعات وترويجها والتعظيم منها.

ودعونا قبل الحديث عن الذكاء الاصطناعي وعلاقته بصناعة وترويج الشائعة أن نتذكر ما قاله المخترع والمستثمر الأمريكي إيلون ماسك في 2014 عندما وصف الذكاء الاصطناعي بأنه من أعظم المخاطر التي تهدد الوجود البشري، كما شبه تطوير الآلات الذكية "باستحضار الشيطان"، وما أثاره عالم الفيزياء الراحل ستيفن هوكينج في أواخر 2014، عندما قال "إن تطوير الذكاء الإصطناعي قد يمهد لفناء الجنس البشري" الامر الذي يؤكد لنا كيف استطاعت هذه التقنية الاستحواذ والتأثير على عقول البشر.

وهنا نعود مرة أخرى لبداية ما جاء في المقال من حكمة أينشتاين التي تخوف فيها أن يأتي اليوم ويكون للعالم جيل من البلهاء بسبب استخدامه للتكنولوجيا، حيث صدق في تخوفاته فقد ساعدت التقنيات التكنولوجية الحديثة وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي قبل أي شيء في صناعة الأزمة التي تبدأ بمفهوم صناعة الشائعة.

وتبدأ هذه التقنيات أن ترسم خريطة بناء الشائعة ومقومات تأجيجها والعوامل المطلوبة لتسريعها والأطراف المستهدفة لتصديقها، بل والأكثر من ذلك بناء المحيط الزمني والجغرافي لهذه الشائعة وآليات التحكم فيها، والمشكلة هنا أن المجتمع لدينا أصبح مهيأ ومؤهلا لنفاذ هذه الحرب إلى عقوله، وهو ما استطاع القائمون على صناعة الشائعات العمل عليه بالشائعة لتبدأ بعد مرحلة الصناعة مرحلة وضع خط سير عبور الشائعة عبر العقول والمجتمعات وهنا يتم تحديد الأعمار السنية التي توجه لها الشائعة والطبقات الاجتماعية التي ستؤثر فيها الشائعة والمردود من وراء الأمر.


لتبدأ المرحلة الثالثة وهو الانتقال إلى نسف مبدأ "الكوجيتو" أو النظرية "الديكارتية" لأبو الفلسفة الحديثة "جود ديكارت" التي قال فيها "أنا أفكر إذن أنا موجود" وكان الهدف منها إثبات أهمية التفكير في الحياة من خلال الشك بكل شيء، بهدف الوصول إلى اليقين، من خلال قواعد تؤدي إلى ذلك لكن الغرب من خلال الذكاء الاصطناعي وضع في أدبياته آليات تغييب العقل البشري وعدم قيام الانسان بالتفكير الذاتي أو النقدي واستغل في بناء وترويح وصناعة الشائعة كل المقومات البصرية والنفسية لتصديقها.

لننتقل بعدها إلى مرحلة الإيمان بوجود الشائعة أو المشكلة والتشكيك في كل المقدرات التي يعيش فيها المواطن، وهو بالفعل ما يحدث، فعند النظر إلى هذه الخطوات نجد أنها المتبعة حاليا في هدم الأوطان، وزعزعة الاستقرار، وتستهدف بشكل أساسي وكبير المواطن المصري بجميع طبقاته في محاولة من الغرب ومن يعادي جهود الدولة المصرية في خلق حالة من التشكيك في كل ما يدور ويستخدمون في ذلك كافة الوسائل الاتصالية ووسائط التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد لنشرها بين الناس بدون التحقق من صحتها أو الحصول عليها من مصدر موثوق لتجد لها بيئة خصبة لانتشارها.

المقلق في الأمر أن القائمين على صناعة الشائعات يستهدفون بشكل أساسي الوعي الجمعي للمواطن المصري، وكذلك استهداف ثوابت الأمن القومي، واللعب على أوتار الحياة الاجتماعية للمواطن واحتياجاته المتمثلة في الصحة والتعليم والحياة الكريمة.


وهنا بات على الكافة وفي مقدمتهم قادة الرأي والإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية القيام بدورهم في التوعية الرقمية وضرورة تعلم جميع الطرق والأدوات اللازمة للتعرف على الشائعات الإلكترونية ومواجهتها من خلال زيادة مهارات الفرد البحثية عبر الإنترنت والتحقق من صحة المعلومات، ليس هذا فحسب بل لابد من اتخاذ عدة إجراءات لمواجهة هذا الأمر منها تشديد إجراءات الرقابة على المحتوى الرقمي المنشور، وتطبيق العقوبات القانونية المقررة على مروجي الشائعات ومقدمي المحتوى الضار ومثيري الفتن، ولابد من تحفيز وعي المواطن للإبلاغ عن الشائعات ومن يروج لها، وكذلك الإعلان عن قائمة سوداء بالمواقع والشخصيات التي تقوم بترويج الشائعات والتطبيقات التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي في ذلك وتعميم هذه المعلومات من خلال كافة المؤسسات لتوخي الحذر.

وقبل أي شيء على المواطن المصري أن يعرف حجم التحديات التي تحيط بدولته وطبيعة المؤامرات التي تحاك من حوله، وأن يدرك أنه كما للذكاء الاصطناعي من فوائد في مجالات العلوم والثقافة والفلك وغيرها، فإنه الآلة التكنولوجية المدمرة التي تستخدمها قوى الشر في هذه المجتمعات، وهنا أصبح الرهان على وعي المواطن وأن يكون قادر على التمييز.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز