البث المباشر الراديو 9090
عائشة غنيمى
تولي الدولة المصرية أولوية بالغة صوب تعزيز سياسات الاقتصاد الإبداعي "الاقتصاد البرتقالي" حيث تطوير وتعزيز تنافسية الصناعات الثقافية والإبداعية، إذ تزخر مصر بثروة بشرية من المُبدعين والموهوبين في مختلف المجالات، فضلًا عن امتلاك مصر لحضارة وثقافة فريدة من نوعها محليًا وإقليميًا ودوليًا، وذلك على مر العصور شهدت أرض مصر مهد الحضارات وتلاقي الثقافات المختلفة، الأمر الذي مكن من توطيد القوة الناعمة للدولة المصرية ودعم تنافسيتها على الساحة الإقليمية والدولية.

هذا إلى جانب امتلاك مصر ممكنات تنافسية الاقتصاد الإبداعي والتي تتجسد في ثروة تراث مصر الثقافي المادي والمعنوي، وكوادر بشرية من المثقفين والكتاب والعلماء والمفكرين والأدباء والفنانين والمبدعين في الموسيقى والفنون البصرية والسينما والمسرح.

وبالتالي فهذا الرصيد الحضاري والثقافي غني لاستثماره في بناء الإنسان مصري صاحب هوية حضارية وتاريخ وتراثه ثقافي ثمين ومثمر، الأمر الذي يمكنه من مواجهة تحدّيات العصر، بما يضمن تنمية العناصر الإيجابية في الثقافة والإبداع كمحرك أساسي لتحقيق التنمية المستدامة، وقيمة مضافة للاقتصاد، ولقوة مصر الناعمة إقليميًا وعالميًا.


يعتبر تعزيز سياسات الاقتصاد الإبداعي بمثابة محرك متطور للنمو الاقتصادي والتحول الاجتماعي، حيث يشمل الاقتصاد الإبداعي جميع القطاعات القائمة على إنشاء الملكية الفكرية إذ يتم جمع 3 مجالات رئيسية تجمع بين الالتزام الإبداعي، وهي: الفنون والتراث، والصناعات الإبداعية والإبداعات الوظيفية، وهو نتاج تفاعل بين ثلاث عناصر أساسية، وهي: الإبداع البشري، واستخدام التكنولوجيا، والاستثمار في المعرفة.

وقد أخذ الاقتصاد الإبداعي صبغة اللون البرتقالي، وذلك لارتباطه بالثقافة والإبداع والهوية عند المصريين القدماء.


تجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد الإبداعي (الاقتصاد البرتقالي) يمثل حوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وقيمته تتجاوز 4 تريليونات دولار.


وتكمن أهمية الاقتصاد البرتقالي في كونه ذات قيمة مضافة تساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، ودوره في الاستثمار في القوى البشرية وتحويلها إلى قوى منتجة، وخلق اقتصاد تنافسي متنوع لتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ حيث تعُد سياسات الاقتصاد الإبداعي قاطرة فعالة لتحفيز الابتكار ونقل المعرفة عبر جميع قطاعات الاقتصاد، فضلًا عن الدور المحوري للاقتصاد الإبداعي في تعزيزه التنمية الشاملة من خلال تنمية الصناعات الإبداعية وتعزيز دورها في تنافسية الصادرات وخلق فرص عمل جديدة من خلال الاستثمار في المبدعين والموهوبين.


ووفقًا لمنظمة اليونسكو، الهدف الأساسي للاقتصاد الإبداعي هو إنتاج أو إعادة إنتاج وترويج ونشر وتسويق السلع والخدمات والأنشطة التي لها محتوى ثقافي أو فني أو تراثي، إذ تعتبر الأفكار الإبداعية بمثابة سلع وخدمات ثقافية تستخدم الإبداع ورأس المال الفكري كمدخل رئيسي لها وتتأثر بعوامل العرض والطلب في سوق اقتصادي يتسم بتنافسية وجودة الابتكار والإبداع.


إن حجم السوق العالمي للسلع الإبداعية ومشاركة الاقتصادات في تجارة السلع الإبداعية كانت أعلى بشكل ملحوظ مما كانت عليه في الاقتصادات النامية، ويرجع ذلك إلى تفوق دولة الصين، وقد احتلت ماليزيا والمكسيك والفلبين المركز الأول عشرة اقتصادات نامية أداء، وتعتبر دولة اليابان أكبر 10 مصدرين للسلع الإبداعية.


وفي ضوء حرص القيادة السياسية على تحقيق التنمية المُستدامة بكل أنواعها وتنمية الاستثمار في طاقات الشباب الإبداعية والابتكارية والحفاظ على الثقافة والحضارة المصرية وهويتها، ومن ثم استدامة ريادة الدولة المصرية حضاريًا وثقافيًا، الأمر الذي يسهم في إنتاج صناعات ثقافية وإبداعية ذات تنافسية وتنوع يواكب التطورات التكنولوجية والثورات الصناعية الرابعة والخامسة، بالإضافة إلى إبراز ما تحظى به مصر من حضارة وثقافة.

إذ تتكاتف جهود الدولة المصرية للنهوض بالأدب وفنون الكتابة، وتعزيز آليات الترجمة بين اللغة العربية واللغات الأخرى، والعمل على إطلاق البرامج والأنشطة الثقافية والابداعية بمختلف محافظات جمهورية مصر العربية بهدف توطين سبل تعزيز الأنشطة الثقافية والصناعات الإبداعية.


وفي ضوء مواكبة التطورات العالمية وتعزيز سياسات الاقتصاد البرتقالي، استهدف برنامج عمل الحكومة المصرية خلال الفترة 2024-2027، وضع استراتيجية خاصة للصناعات الثقافية والإبداعية، وتعزيز تنافسية الصادرات الثقافية والإبداعية من سلع وخدمات وزيادة نسبتها من إجمالي الصادرات المصرية من 2.5% في عام 2023 إلى 4.8% في عام 26/27.


جدير بالذكر، أن الاقتصاد الإبداعي يسهم في تنمية الثقافة والوعي الوطني والإبداع نحو تحقيق مزيد من التطوير والتمكين، ومن ثم تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة المصرية وعلى رأسها الحفاظ على محددات الأمن القومي المصري ومكافحة الإرهاب في ضوء التحديات الإقليمية والدولية، تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة وشاملة في كافة القطاعات، وتعزيز بناء الإنسان المصري، خاصة في مجالات الصحة والتعليم، وتطوير ملفات الثقافة والوعي الوطني، والخطاب الديني الذي يرسخ مفاهيم المواطنة والسلام المجتمعي.


وفي ضوء الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة (رؤية مصر 2030)، يعتبر إثراء الحياة الثقافية والرياضية للإنسان جزء محوري في هدف الارتقاء بجودة حياة المواطن المصري وتحسين مستوى معيشته، وإيمانًا بالدور الجوهري في تشكيل هوية المصريين منذ بداية التاريخ، لذا تهدف رؤية مصر 2030 إلى دعم الحياة الثقافية وإثرائها بجميع أنواعها، ورفع درجة الوعي لدى كل مواطن مصري ومواطنة مصرية.


وفي هذا الإطار تهدف رؤية مصر 2030 تحقيق الأهداف المرجوة من خلال الآتي:


زيادة نسبة النفقات العامة للثقافة والرياضة إلى إجمالي الموازنة العامة للدولة، تطوير المؤسسات الثقافية الحكومية ورفع قدراتها الإدارية وكوادرها البشرية، وتجهيزها بمستلزمات العمل الثقافي والفني؛ لتعظيم دورها وتأثيرها وتوسيع نطاق وصولها إلى مختلف الفئات الاجتماعية في إطار من حفظ الهوية والانفتاح على الثقافات
الأخرى، تعزيز دور المؤسسات الثقافية غير الحكومية في إطار الشراكة المجتمعية بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص في مجالات العمل الثقافي.

ـ التوسّع في قصور وبيوت ومراكز الثقافة والمكتبات العامة والمتاحف والمناطق التراثية ودور الأوبرا والمعارض الفنية والمسارح والسينما، في مختلف المحافظات والمدن الجديدة، تشجيع الاهتمام بالتراث الثقافي المادي وغير المادي وحمايته وإتاحته وتعظيم العائد منه، وتنمية الجهود القائمة على توظيفه في التنمية المستدامة والإبداع وتعزيز الهوية الحضارية.


ـ غرس التوعية بأهمية الثقافة والرياضة، والمحافظة على التراث لدى النشء بإعطائها أهمية في المقرَّرات التعليمية.


ـ تأسيس بنية معلوماتية متكاملة للعمل الثقافي تُمكِّن من التخطيط المبني على بيانات دقيقة، والإتاحة الكاملة للمعلومات المتعلِّقة بالثقافة والتراث، بالإضافة إلى رقمنه العمل الثقافي ككل، دعم الصناعات الثقافية كمصدر قوة للاقتصاد، ودعم وتفعيل إجراءات حماية حقوق الملكية الفكرية والاهتمام بتسجيل العلامات التجارية للصناعات والمنتجات الثقافية.

ـ تبني أدوات غير تقليدية لرفع الوعي الثقافي باستخدام تكنولوجيا المعلومات لجميع الفئات والشرائح العمرية، دعم عمليات التحول للثقافة الرقمية لإتاحة المنتج الثقافي لقطاعات عريضة من المواطنين، بهدف الارتقاء بالذوق العام، ودعم منظومة القيم الإيجابية، توفير البيئة الممكنة لتطبيق الأفكار الابتكارية لإتاحة المنتجات الثقافية في المناطق النائية والأكثر احتياجًا، تحقيقًا للعدالة الثقافية ومكافحة التطرف الفكري.

ـ تشجيع السياحة الداخلية كوسيلة لإثراء الحياة الثقافية، وترسيخ اعتزاز المواطنين بهويتهم ووحدتهم في ظل التنوّع الثقافي، والاستفادة من بيئة مصر المتنوعة في الأنشطة الرياضية المختلفة.

ـ مكافحة كل صور التعصّب والتطرّف الفكري بتعزيز ثقافة الاعتدال وسعة الأفق واحترام الاختلاف وعدم الخوف من التغيير، وتأهيل المنشآت الثقافية والرياضية بأشكالها المختلفة، بما يتناسب مع متطلبات ذوي الإعاقة في جميع المحافظات.

ـ اكتشاف الموهوبين والنابغين والمبدعين والمبتكرين ورعايتهم، بهدف بناء ثروة بشرية تكون مصدر قوة مضافة لمصر، يمكن أن تحقق الريادة والمنافسة إقليميًا وعالميًا في مختلف مجالات الإبداع العلمي والأدبي والفني والثقافي.

وعلى هدي ما تقدم، يتعين مواصلة الجهود في النهوض بالصناعات التي تعتمد علي عناصر الفكر والابتكار، والإنتاج، والتوزيع، والنشر والترويج، للمنتجات والخدمات ذات الصلة بالتعبير الإبداعي وحفظ الإرث الثقافي وغيرها من الأنشطة الاقتصادية ذات الصلة بالتراث الثقافي والطبيعي، وفنون الأداء والاحتفالات، والفنون البصرية والحِرَف، والكتب والصحافة، والإعلام المسموع والمرئي والتفاعلي، والخدمات التصميمية والإبداعية.

وتؤثر هذه الأنشطة والصناعات على الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في ضوء الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة رؤية مصر 2030 وبرنامج عمل الحكومة المصرية 2024-2027، فضلًا عن تعزيز مكانة الدولة المصرية على خريطة الإبداع الثقافي العالمي ومؤشرات التنافسية العالمية.


وعليه، فمن الضروري أن يتم تحديد المحاور الرئيسية لتنفيذ السياسات والمبادرات خاصة محور الموهبين والمبدعين، محور المهنيين وبيئة الأعمال، محور ممكنات ومحفزات بيئة الأعمال، هذا إلى جانب تشجيع شراكة القطاعين الحكومي والخاص، والمؤسسات التعليمية ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف تعزيز مساهمة هذا القطاع في تحقيق التنمية المستدامة، ومكانة الدولة المصرية كوجهة دولية تستقطب الخبرات والمواهب الإبداعية، وتمكنها من إنتاج محتوى إبداعي في بيئة داعمة ومتميزة، في ضوء تحقيق الاستدامة والتنافسية.


وفي هذا الصدد، يوصي بتضافر الجهود بالشراكة مع القطاع الخاص وجذب الاستثمار المحلي والأجنبي المباشر للاستثمار وتنمية الصناعات الإبداعية والأنشطة الثقافية، وذلك من أجل أن تكون الدولة المصرية وجهة جاذبة للمُبدعين في المجال الثقافي والإبداعي من مختلف أنحاء العالم، فضلًا عن مضاعفة عدد المنشآت العاملة في القطاعات ذات الصلة بالاقتصاد الإبداعي، خلق قنوات ومنصات مختلفة ذات حوافز جاذبة للمواهب والمُبدعين لتأسيس وتطوير المشروعات المبتكرة، إلى جانب توفير وظائف جديدة في القطاع الثقافي والإبداعي، وتشجيع التصنيع الحلي للسلع والخدمات الثقافية والإبداعية، وزيادة حجم صادرات من السلع والخدمات الثقافية والإبداعية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز