البث المباشر الراديو 9090
محمود الروبي
لم يكن أحد يتوقع أن تنزلق سوريا، بتاريخها العريق وشعبها المحب للاستقرار، إلى هذا المصير، ففي عام 2011، كانت سوريا على مفترق طرق، وبدأ البعض بالمطالبة بإصلاحات مشروعة، لكن سرعان ما تحولت هذه المطالب إلى حرب أهلية طاحنة بفعل التدخلات الخارجية والتنظيمات المسلحة.

هذه القوى وظّفت انهيار الدولة لتحقيق أجنداتها، ما أدى إلى دمار شامل، وضحايا بعشرات الآلاف، وتشريد ملايين السوريين.

أزمة مستمرة ومصير مجهول

ليست الأزمة في من يحكم سوريا، بل في إلى أين تصل سوريا؟ فقد أعلنت إسرائيل، في اللحظة التي أكتب فيها المقال، عن احتلال منطقة جبل الشيخ دون مقاومة!


هل سنرى جماعات تتقاتل وتظهر “داعش” وغيرها إلى الواجهة مرة أخرى؟ في ظل اتهامات متبادلة بين القوى الكبرى، يدفع الشعب السوري والمنطقة الثمن، ووسط كل هذا الخراب، يروج البعض لانتصارات دون إدراك أن النصر الحقيقي يكمن في بناء الدولة، لا الهدم، فما أسهل الهدم وما أعقد البناء، ويظل السؤال: متى تستقر سوريا وينعم شعبها بالأمان؟.

رقعة الشطرنج السورية

من دمشق إلى موسكو، ومن أنقرة إلى طهران، لا يبدو أن هناك توافقاً على رؤية موحدة لحل الأزمة، بل إن الجميع يسعى إلى تعزيز موقعه على رقعة الشطرنج السورية، التصعيد العسكري الأخير ليس إلا خطوة أخرى في سلسلة مناورات تعكس لعبة دولية كبرى، حيث يبقى الشعب السوري هو الضحية التي يدفع ثمنها الجميع.

آفاق قاتمة ومصير مجهول

في ظل التفاهمات الهشة والتوترات المتصاعدة، يمضي الجميع نحو مستقبل أكثر تعقيداً، لا شيء يلوح في الأفق سوى المزيد من الصراعات، حيث يحاول كل طرف تثبيت أقدامه في هذه اللعبة المميتة، في هذا الصراع المحتدم، يصبح الإنسان السوري رقماً إضافياً في سجلات الدمار والتهجير.

منطقة مشتعلة لا تهدأ أبدا

حين ننظر إلى المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة، نرى دولًا شقيقة انزلقت إلى مستنقعات الفوضى والصراعات، بينما بقيت مصر نموذجًا للصمود والاستقرار بفضل وعي شعبها، ووطنية جيشها ومؤسساتها، وقبل كل ذلك إرادة الله التي حمتها من مصير، بكل الحسابات، كان محتومًا.

مصر وإفشال المخططات الخبيثة

في مصر، لم تكن البداية بعيدة عن سوريا، شهدت ثورة يناير 2011 مطالب مشروعة بالتغيير، لكن محاولات استغلالها لخلق فوضى لم تتوقف، تعددت دعوات المظاهرات والتقسيم والفتنة الطائفية، بالإضافة إلى محاولات زرع الانقسام على أساس قبلي وفئوي، ومع ذلك، كان الشعب يقظًا، والتف حول جيشه ومؤسساته لعبور هذه المرحلة الحرجة، رغم محاولات الوقيعة بين الشعب والجيش.

زادت التحديات مع وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم عام 2012، حيث حاولوا السيطرة على الدولة وإرهاب المصريين، مستعينين برموز الإرهاب الدولي، لا تزال ذاكرتي تحمل مشهد احتفالات أكتوبر 2012 وكأنه بالأمس، كان مشهدًا صادمًا عندما ظهر قتلة الرئيس الشهيد أنور السادات في الصفوف الأولى، في إعلان صريح بتهديد الشعب بالإرهاب، واستهانة بشخصية بطل الحرب والسلام، هذا المشهد كان كافيًا لتوحيد المصريين ضد قوى الظلام، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين.

في 30 يونيو 2013، خرج الملايين لإسقاط حكم الإخوان وإنقاذ مصر من الفوضى، استجاب الجيش المصري لإرادة الشعب، الذي اختار القضاء على قوى الشر، هذا التحرك الشعبي والسياسي الموحد أفشل محاولات تقسيم مصر للمرة الثانية، وأثبت أن المصريين يدركون حجم التحديات ويعرفون كيف يحافظون على وطنهم.

دروس وعبر للمستقبل

ما حدث في سوريا ودول أخرى يثبت أن الأمن والاستقرار لا يتحققان من فراغ، بل هما نتيجة وعي الشعب ووحدة مؤسساته وتضحيات أبنائه من الشهداء، مصر ليست بعيدة عن دائرة الاستهداف، لذا لا يجب أن تكون نعمة الأمن مألوفة لدرجة الإهمال، الحفاظ على هذه النعمة يحتاج إلى وعي مستمر وتصدي دائم للشائعات ومحاولات زعزعة الاستقرار.

رسالة أخيرة

"لا تألفوا نعمة استقرار الأوطان، فالحفاظ على الدولة مسؤولية الجميع. حفظ الله مصر وشعبها وجيشها من كل سوء، وحمى أوطاننا من الفتن، وأعاد لدول الجوار أمنها واستقرارها".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز