حسام الدين الأمير
لقد شهدنا في 2024 مختلف أنواع التحديات العالمية من اندلاع حروب جديدة واستمرار حرب قائمة، وتغير شكل الصراع في المنطقة، وصعود أنظمة سياسية واختفاء أنظمة ديكتاتورية، واغتيالات سياسية لرموز وقادة كان لهم من التأثير ما يغير شكل المعادلة، وصعود تيارات جهادية، وتطورات تكنولوجية متسارعة، وغضب غير عادي من الطبيعة تمثل في وقوع سلسلة من الكوارث الطبيعية أثرت على ملايين الأشخاص، وانتخابات أكبر وأقوى دولة في العالم.
ووسط كل هذه التحديات كانت الدولة المصرية صامدة بدورها المحوري في المنطقة ومحاولاتها رأب الصدع في كل ما يشهده العالم من توترات وتغيرات، ليس هذا فحسب بل أن خطط التنمية الداخلية في مصر وحجم الخطط الاستراتيجية والمشروعات القومية التي تم إنجازها كانت في مواجهة كل هذه التحديات التي لم تستطيع سواء هي أو فاعليها أو القائمين على تأجيجها زعزعة استقرار الدولة المصرية.
ولنا أيضًا أن نعرف أن التحديات لم تكن داخلية فقط بل أن التحديات العالمية التي استهدفت مصر كانت أكبر بكثير، حيث استهدفت بشكل أصيل مقدرات الدولة المصرية، الأمر الذي يدلل على أهمية الدور المصري في المنطقة، وحجم الدولة المصرية الكبيرة والعظيمة والبعد الجيوسياسي لها.
قبل أن يرحل عنا 2024، علينا أن نتذكر استمرار الصراع في منطقة الشرق الأوسط والعالم، والذي تمثل في استمرار الحرب في أوكرانيا للسنة الثالثة على التوالي رغم الخسائر البشرية الكبيرة وعدم الإنصات إلى دعوات وقف إطلاق النار، وأيضاً استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الذي دخل عامه الثاني في أكتوبر 2024، ليس هذا فحسب بل امتد الصراع الإسرائيلي في المنطقة إلى سوريا، ولبنان، ومناطق أخرى منها إيران.
ما شهده هذا العام من اغتيالات سياسية يجعلنا أن نطلق عليه عام "الاغتيالات الكبرى" تلك الاغتيالات التي كان فيها الفاعل معلوم والعقاب مجهول فلم تستطع أي قوة عظمى في العالم بما فيها الامم المتحدة ادانة اسرائيل في كل ما أحدثته في العالم خلال 2024 بل أن الكارثة الكبرى اعتراف القوى العظمى عالميًا بأن إسرائيل تدافع عن نفسها، وهذا حقها رغم أن ما أحدثه هذا الكيان الصهيوني بمساعدة رأس الحية "الولايات المتحدة الأمريكية" كان السبب وراء تغير نظرية الصراع في المنطقة وتغير شكل المنطقة سياسيا واجتماعيا ولوجستيا وجغرافيا.
شهد 2024 اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أعقبه اغتيال خليفته يحيى السنوار، ليس هذا فحسب بل شهد هذا العام اغتيال حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله اللبناني، وخليفته هاشم صفي الدين، وهو ما جعل إسرائيل تنجح في إضعاف فاعلية الفصائل المسلحة سواء في فلسطين أو لبنان، وتم ذلك ايضا من خلال اغتيال عضو المكتب السياسي لحركة حماس، صالح العاروري، واغتيال قائد أركان كتائب القسام، محمد الضيف، واغتيال نائب القائد العام لكتائب القسام، مروان عيسى، وقائد لواء خان يونس، رافع سلامة، واغتيال عضو المجلس العسكري للقسام وقائد لواء الوسطى، أيمن نوفل، واغتالت إسرائيل أحمد الغندور، العضو البارز في المجلس العسكري العام لكتائب القسام وقائد كتيبة شمال غزة، واغتالت روحي مشتهى، الذي وصفته برئيس حكومة حماس في غزة، وسامح السراج، المسؤول عن ملف الأمن لدى المكتب السياسي في حركة حماس، واغتيال سامي عودة، رئيس جهاز الأمن العام في حماس، بل ان اسرائيل اعلنت عن قائمة تضمنت أبرز من تمت تصفيتهم في الضفة الغربية شملت: أشرف نافع، القيادي في كتائب عز الدين القسام، ومحمد جابر، الملقب بأبو شجاع قائد كتيبة طولكرم، ورأفت دواسي، قائد كتائب القسام في جنين، وعبود شاهين، مؤسس كتيبة نابلس.
وشهد 2024 أيضًا تفجيرات البيجر واللاسلكي في لبنان سبتمبر الماضي، والتي استهدفت أشهر مقاتلي حزب الله في لبنان وسوريا باستخدام أجهزة نداء الـ"بيجر" وأجهزة الاتصال اللاسلكية الـ"ووكي توكي" وكانت مفخخة، وفي هذه العملية قتل وأصيب الآلاف من عناصر حزب الله والمدنيين والعاملين بمؤسسات مختلفة في لبنان وسوريا.
وفي سابقة غير متوقعة وقبل أن يسدل 2024 أيامه، وبعد 13 عاما من ثورات الربيع العربي، وتمسك الرئيس السوري بشار الأسد، بالسلطة خلال كل هذه السنوات الماضية، يسقط هذا النظام في مفاجأة غير متوقعة ويترك "الأسد" سوريا هاربا إلى مقصده تاركا خلفه الجمهورية العربية السورية ممزقة ومهترئة ومنقسمة ومجزأة، وبين يوم وليلة تنهار كل مقدرات الشعب السوري ويتم ضرب جيشه على الأرض وتدمير أسطولها، وتخريب مؤسساتها، في تطاول إسرائيلي وجهادي أمام أعين العالم أجمع تاركًا خلفه سؤال مهم ما هو مستقبل سوريا بعد سقوط نظام الأسد؟
وقبل أن يرحل هذا العام كشف لنا عن أكبر مفاجأة وهي الفوز التاريخي لدونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية متفوقا على منافسته الديمقراطية كامالا هاريس في الانتخابات التي توجه إلى صناديق اقتراعها الملايين من الأمريكيين ليفوز ترامب بفارق تجاوز أربعة ملايين صوت عن منافسته ليدخل العام 2025 مرحلة جديدة من أشكال الصراع العالمي بقيادة المتهور "ترامب"
وبعيدا عن تطورات الصراع في منطقة الشرق الأوسط والعالم لا تزال الحرب الأهلية وصراع الفصائل في السودان خلال عام 2024 مستمرة وسط معاناة إنسانية واسعة تضمنت نزوج الملايين ووفاة آلاف الأشخاص وفشل الجهود الدولية في التوصل إلى حل سياسي وسلمي
وسط كل هذه التحديات التي يشهدها العالم والتهديدات المباشرة وغير المباشرة لدوله وحكوماته وشعوبه تأتي إرادة الدولة المصرية في البناء والتنمية متجاوزة في العام 2024 كافة التوقعات العالمية التي رأت ان الدولة المصرية لن تستطيع أن تخرج من عنق مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على ما يدور حولها في المنطقة، لكن إرادة الشعب المصري ووقوفه خلف قيادته السياسية وإيمانه بكافة المؤامرات التي تحاك ضد الدولة المصرية في المنطقة وأن المستهدف الأول منها هو الجائزة الكبرى "مصر" جعلهم يبطلون كافة الخطط الرامية إلى إضعاف مصر ودورها.
واستطاعت الدولة المصرية خلال العام 2024 العمل على تشجيع فرص الاستثمار والسياحة ومواجهة التحديات الداخلية وضبط الأسعار والقضاء على السوق السوداء لسعر الصرف والسيطرة على معدلات التضخم العالية، وشهد هذا العام زيارات مكوكية للرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى عدد من الدول التي تربطها بمصر علاقات وتحالفات اقتصادية واستراتيجية وتنموية مختلفة.
هذا بجانب الحضور المصري البارز في عدد من القمم العالمية والتكتلات الاقتصادية الهامة على المستوى العالمي، واهتمام مصر بدول القارة الافريقية وفتح علاقات جديدة بينها وبين عدد من دول القارة السمراء والتي من شأنها دعم أواصر التعاون بينها وبين هذه الدول، هذا بجانب إجراء عدد من الإصلاحات الداخلية التي تمثلت في أكبر حركة تغيير للحكومة تضمنت الوزراء والمحافظين والهيئات وكلها تغييرات استهدفت مصلحة المواطن أولا، وما هي الا ساعات قليلة ونستقبل العام 2025 الذي أرى في وجهة نظري المتواضعة أنه عام الحسم بالنسبة لعدد كبير من الملفات داخل الدولة المصرية في مواجهة كافة التحديات العالمية.