أحمد محمود
حضر الندوة فضيلة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية، والأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، وأدارها باقتدار، الكاتب هاني لبيب، رئيس تحرير موقع مبتدا.
سألت فضيلة المفتي الدكتور نظير، سؤالًا حول ما إذا كانت مصر في حاجة لمزيد من الفلسفة، أم أنها في حاجة للقليل منها فقط؟!
جاء رد فضيلة المفتي مثيرًا للانتباه حقا، إذ قال، إن الفلسفة بمعناها البسيط هي محبة الحكمة، أو هي التشبه بالله تبارك وتعالى على قدر الطاقة الإنسانية، هكذا عرَّفها الكندي الفيلسوف، وقال في الواقع، إن الفلسفة القليل منها أمر خطير، ولكنَّ كثيرًا منها مطلوب؛ لأن الفلسفة ما هي إلا عملية ذهنية يمكن للإنسان من خلالها العمل على تفسير ظواهر الكون، والربط بين الأسباب والعِلل والغايات، وهو ما جعل فلاسفة أمثال فرنسيس بيكون ورينيه ديكارت يقولون إن قليل من الفلسفة يؤدي إلى الإلحاد، بينما الكثير من الفلسفة يؤدي إلى تعميق الإيمان.
وأضاف فضيلته: "نحن نحتاج إلى الفلسفة، ولكن أي نوع من الفلسفة؟ إذ لا يخفى أن هناك بعض الاتجاهات الفلسفية المتطرفة جدًا في رؤيتها وفي نزعتهاز
ومن يقرأ كتاب "الأساطير المؤسِّسة للصهيونية العالمية" للفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي، يدرك أن أصحاب هذا الفكر، انطلقوا من نزعة متشددة ومتطرفة جدًا، وفي النهاية يدعون أنها نظرية فلسفية انطلقوا منها، فنحن إذًا بالفعل في حاجة إلى المزيد من الفلسفة لأن الفلسفة تؤدي إلى توسيع الفكر والمدارك والربط بين الأسباب والمسببات، والبحث عن إجابات وعلل".
وأضاف أيضًا، أن الفلسفة الآن، لم تعد قاصرة على الفلسفة النظرية، فنحن الآن نتحدث عن فلسفة العلوم وما وراء فلسفة العلوم، خصوصًا وأن التيارات الإلحادية المتطرفة والمتشددة في هذا الإطار إنما تعتمد على الفيزياء والبيولوجي "علم الأحياء" وهذا يقتضي منا فلسفة لكن فلسفة علمية.
والحقيقة أنني أتفق مع رأي فضيلة مفتي الديار المصرية حول أن القليل من الفلسفة ضار بالفعل، ذلك أنني أعتقد أن إعمال العقل بصورة ضئيلة، من شأنه أن يغلق باب التفكير، والاجتهاد في فهم أمور الدنيا، وربما الدين أيضًا، فالفلسفة الإسلامية مثلا عندما نشأت، كان القصد منها، هو إعمال العقل في كثير من الأمور التي تتعلق بحياة الإنسان، وتفسير المنقول من الحضارات الأخرى؛ بل وتفسير الكتب السماوية أيضًا، والخروج من ذلك بتفسيرات عقلية واضحة للتشريعات والأحكام، مثل التي جاء بها الدين الإسلامي.
والحقيقة أيضًا، أن الفلسفة، كانت هي "السر" الذي من خلاله تقدم العرب الأوائل، إذ فتحت الفلسفة الباب أمام علماء العرب في طرق أبواب العلوم المختلفة؛ مثل: الكيمياء والطب والفلك، ذلك أن الفلسفة أشعلت عقول العلماء نحو البحث عن العلوم في كل البلدان ونقلها عن طريق الترجمة، وهو ما فتح الباب أيضًا نحو المزيد من التقارب الإنساني بين الشعوب عن طريق التفاعل الحضاري.
ومن الفلسفة نشأت أيضًا، مناهج البحث في كل أمور العلم، فلسفة العلوم مثلا، كانت هي الأساس الذي من خلاله تطور الفكر الغربي، وتطورت العلوم التطبيقية، ومنها انطلق الغرب نحو التحديث والتقدم العلمي المذهل في كافة المجالات.
وأظنَّ أننا لسنا في حاجة فقط إلى مزيد من الفلسفة؛ بل إننا في حاجة إلى كثير من الفلسفة أيضًا؛ ذلك أننا في حاجة الى "تنشيط " العقل الجمعي، نحو الكثير من البحث العلمي، والتفكير المنطقي، والاهتمام بقضايا عصرية تتعلق بالتطوير والتحديث، بدلا من التشبث بمناقشة قضايا ربما انتهى البحث فيها منذ عصور.
من هذه القضايا مثلًا، تلك التي تتعلق بالإخاء، والتسامح والترابط الإنساني، فما قيمة أن نبحث في "شرعية" تهنئة الأخوة المسيحيين بعيد الميلاد مثلًا؟ فالتهنئة هنا سلوك إنساني بحت، يتعلق بالإخاء والمحبة، والترابط المجتمعي.
ثم ماذا سيضيف بحث ذلك من الناحية الشرعية أصلًا؟ إذ إن ذلك السلوك المستحب بالتهنئة؛ سيزيد من أواصر الترابط المجتمعي، ولن يؤثر في العقيدة بالسلب، بل ربما سيسهم في الأساس، بزيادة التسامح بين أبناء العقائد المختلفة، وسيدفعهم ذلك لمجابهة التطرف والتشدد فيما بينهم، وسيسهم في انتشارالقيم الإنسانية النبيلة، ويدعم قيم المحبة بين البشر خاصة من ابناء الوطن الواحد.
وأخبرًا، فنحن في حاجة إذا إلى الكثير؛ بل والكثير جدًا من الفلسفة لتدريب العقول على اختيار القضايا التي تستحق البحث، وأن يصبح العلم هو المحرك نحو التنمية والتقدم، وأن ندرك أهمية التفكير المنطقي، ذلك الذي سيدفعنا دفعًا للتقدم والتطور والحياة الكريمة.