حسام الدين الأمير
بعد نجاح النظام الـ«صهيو - أمريكي» في تنفيذ مخططه الخاص بهذا المفهوم بدأت الأطماع الاستعمارية لهذا النظام في التوسع وبدا ذلك جليا من انهيار عدد كبير من الأنظمة العربية كان في مقدمتها العراق ودول أخرى في المنطقة منها أفغانستان، حيث استخدمت أمريكا في تنفيذ مخططاتها شبكة التحالفات السياسية والعسكرية والمؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية لتنفيذ مقاصدها.
ووسط كل هذا كانت أعين الإدارة الأمريكية على الدولة المصرية وقررت السعي إلى تخريب نظامها الداخلي وزرع الفتنة بين أولادها وتقسيم شعبها وتنامي صعود التيارات الإسلامية فيها وبدأت تنجح في مخططها الدنيء بدءا من انتخابات مجلس الشعب في 2005 داخل مصر وصعود تيار الإسلامي السياسي بعد حصوله على 88 مقعداً مرورا بحركة كفاية وغيرها وصولا إلى أحداث 25 يناير 2011، وسقوط النظام، وصعود جماعة الإخوان «الإرهابية» بعد أقل من عام، وتزامن ذلك مع ثورات الربيع العربي التي انطلقت شرارتها من تونس ووصلت إلى مصر ومن بعدها ليبيا وسوريا واليمن والسودان.
نجحت ثورات الربيع العربي اصطلاحًا، ولكن تأكيدًا هي التخطيط الحقيقي لتنفيذ مشروع "الشرق الأوسط الجديد" في الإطاحة بـ6 أنظمة عربية، وهو ما لم يكن متوقعًا أو محسوبًا له أو حتى كان قد حدث قبل ذلك، ففي خلال عدة أسابيع تعد على أصابع اليد الواحدة سقط النظام التونسي بهروب رئيسه زين العابدين بن علي، وتنحى مبارك في مصر، وسقطت ليبيا بمقتل القذافي، وفي اليمن تنحى علي عبد الله صالح، وتم حصار النظام السوري ورئيسه وقتها بشار الأسد، وتصاعدت الحركات الاحتجاجية في جميع أنحاء الوطن العربي والتي كانت أكبرها حركة الاحتجاجات بمصر وسوريا، وكان القاسم المُشترك في جميع هذه الثورات هو إسقاط النظام من خلال هتافات "الشعب يريد إسقاط النظام"، وهي الهتافات التي روجت لها وصنعتها الإدارة الأمريكية ونظامها ومن بعد ذلك توالى سقوط الأنظمة العربية حتى وصلنا إلى سقوط البشير ونظامه في السودان.
المُحلل للأمر، يلحظ أن الثورات العربية التي حدثت داخل الدول سالفة الذكر وغيرها هي دول كانت مستهدفة من الولايات المتحدة وشركائها، وكانت النتائج المترتبة على هذه الثورات جميعها في مصلحة أمريكا وحلفائها، بل إن هذا المخطط كان يستهدف مصر بالأساس باعتبار أنها الجائزة الكبرى، وكان يستهدف أيضًا إسقاط جيشها، لكن الشارع المصري وقواته المسلحة كان لهم رأي آخر في تغيير معادلة الخريطة والمنطقة وهدم المشروع الـ«صهيو - أمريكي» الذي كان يسعى إلى صهينة المجتمعات العربية ومصر.
لكن في 30 يونيو 2013، حيث نجح الخروج العظيم للشارع المصري، وبحماية القوات المسلحة لمقدرات الوطن ومؤسساته، هدم هذا المشروع، لأن هذا الخروج كان بمثابة الصدمة لأمريكا وشركائها وحليفتها إسرائيل، لأن ثورة الشارع المصري في 2013 كتبت شهادة وفاة مشروع "الشرق الأوسط الجديد".
بعد هذه الخطوة، ومنذ هذا التاريخ، بدأت مخططات جديدة وأخرى من القوى الغربية والنظام الـ«صهيو - أمريكي»، استهدفت في البداية تقويض إرادة الدولة المصرية والشعب المصري ومعاقبته على إسقاط الإخوان، فتم تمويل كافة العناصر الجهادية والتخريبية لنشر الإرهاب في سيناء ما بين 2016 وحتى 2019، حيث خاضت مصر حرب شاملة لمواجهة الإرهاب، ووسط كل ما كانت تمر به الدولة المصرية كانت عمليات التنمية والبناء في كل ربوع مصر تتم بمجهودات أولادها لبناء الجمهورية الجديدة التي نحن بصددها اليوم.
ورغم كل هذه السنوات لا زال النظام الـ«صهيو - أمريكي» يفكر في تغيير خريطة المنطقة، والسيطرة عليها، وإحكام الخناق على الدولة المصرية، التي لم ولن تنكسر أبدًا أمام مطامع الغرب، حيث بدأت الدول الغربية، والنظام الأمريكي، ومحور الشر في المنطقة إسرائيل، في إعادة تنفيذ مخططها الشيطاني، الذي أحبطته مصر، وهو مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، وإحلاله بمشروع جديد في وجهة نظري ورأيي المتواضع يمكن أن نطلق عليه مشروع «الشرق الأوسط الهجين» نظرًا لبروز قوى أخرى في المنطقة داخل ساحات الصراع، وسقوط أنظمة عربية وغربية جديدة، وتزايد موجات العنف والإرهاب في العالم، ووجود تغيير جذري في الخريطة العالمية تمثلت في صعود تيارات سياسية وإقصاء أخرى، وتغيير في ديموغرافية الدول مثل ما حدث في فلسطين، وانهيار غزة بالكامل وتهجير مواطنيه، وما حدث جنوبًا في السودان والصراعات والانقسامات، وتقسيم أراضيها ما بين كافة التيارات الغربية المُتصارعة فيها وعليها، وما يحدث الآن في سوريا وهيمنة التيارات الجهادية على مُقدراتها.
وأيضًا ما تشهده دول أخرى مثل الصومال ومالي، وما حدث في لبنان وما ستمر به إيران خلال الأيام القليلة المُقبلة بعد إعلان ترامب أن حرب أمريكا المُقبلة هي ضد إيران، وأيضًا لا يُمكن أن ننسى الدور التركي في المنطقة، والروسي، والفرنسي، والألماني، ودور الاتحاد الأوروبي، في تأجيج الصراع، ومن قبلهم جميعًا المملكة المتحدة «بريطانيا»، ومصالح الصين في المنطقة العربية وإفريقيا، ومحاولات أمريكا السيطرة على بوابات الحدود الأربعة للدولة المصرية، وزرع موطئ قدم لها في كافة الدول الإفريقية، وتمويل الجماعات المسلحة داخلها، وما تقوم به إثيوبيا مدعومة بالدور الإسرائيلي بشأن بناء سد النهضة، وغيرها، وغيرها، من المخططات التي نجحت حتى الآن في تغيير جغرافية المنطقة، الأمر الذي يؤكد أننا أمام مشروع جديد أقل ما يقال عليه هو ما ذكرته في عنوان مقالي مشروع «الشرق الأوسط الهجين»، نظرًا لتعدد أدوار الصراع داخله، وتنوع قادة هذا الصراع ومستهدفاته.
لكن تبقى مصر هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تواجه وتتصدى بكل قوة لكل هذه التحديات بإصرار قائد وإرادة شعب.