أحمد محمود
قُلت لهم، إن هذا السؤال تم طرحه منذ ما يزيد عن 30 عامًا، عندما بدأت التكنولوجيا الرقمية في دخول مصر، وبدأ انتشار مواقع الويب، والصحف الإلكترونية، وقتها تساءلنا جميعًا عن مستقبل الصحف الورقية، ووقتها أيضًا - وبالتحديد بعد أن شاركت في إنشاء موقع جريدة الأهرام إبدو، الصادرة عن مؤسسة الأهرام باللغة الفرنسية - توقعت أن تنتهي الصحافة الورقية، وأن يحدث تحول كبير لصالح التقنيات الرقمية في المستقبل القريب وهو ما لم يحدث حتى الآن.
كانت تلك التقنيات الرقمية قد بدأت بالفعل في منتصف التسعينيات، في الانتشار بالصحف القومية، لكنها اعتمدت بالأساس على المحتوى الصحفي الموجود بالإصدارات الورقية، دون أي تطوير، أو إنتاج مستقل للمحتوى. فقط، كان التغير في مسألة "الوسيط" الذي يضم المحتوى الصحفي، وكان الهدف من ذلك فقط؛ لضمان سهولة الوصول إليه من خلال الحواسيب الإلكترونية، والهواتف الذكية، وهو ما جعل انتشار الصحف الإلكترونية محدودًا، وغير ذي تأثير حقيقي على الصحافة القومية.
وفي 2009 بدأت مرحلة جديدة من مراحل المؤسسات الصحفية القومية؛ إذ بدأ الاتجاه للتحول الرقمي بشكل أوسع، وبدأت مرحلة إنشاء البوابات الصحفية الإلكترونية، واعتمدت في رؤيتها على الخبرة الأجنبية، بعد أن استعانت مؤسسة الأهرام مثلًا بخبراء من دولة التشيك، ومن الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن برنامج موَّلته هيئة المعونة الأمريكية، لعمل دورات صحفية للذين وقع الاختيار عليهم، لإنشاء وإدارة تلك البوابات، وبحيث تكون مرحلة مبدأية للاستغناء تمامًا عن الورق، والاعتماد كليًا على التقنيات والوسائط الإلكترونية.
وكان من المُفترض أن يحدث تطور في أسلوب إدارة الصحف، وإدارة المحتوى، ولكن ربما كانت بداية المشكلة أن ما حدث من تغير، حدث فقط، في الوسائط التي يتم استخدامها، وربما كان المقصود من ذلك، أن تكون تلك مرحلة انتقالية، للاستغناء تمامًا عن الورق في المستقبل، لكن يبدو أن أحداث يناير 2011، لم تمهل الإدارات الجديدة للمؤسسات، لاستكمال مشروعها الرقمي، بالطريقة التي خططوا لها حقًا.
صحيح أن السؤال حول مستقبل الصحف الورقية، لم يتوقف أبدًا عن الطرح، منذ بداية التحول الرقمي، ولكنه ظل في حقيقة الأمر سؤال بلا إجابة! فما الذي يجعل جريدة مثل الأهرام اليومية - تلك التي أظن أنها لم تتوقف عن الصدور يومًا واحدًا، منذ حوالي 150 عامًا، أن تتوقف عن الصدور؟! خصوصًا وأن تاريخ تلك الصحيفة بمثابة تراث وعلامة تجارية أيضًا، ولايمكن التخلي عنه بسهولة، لمجرد ارتفاع التكلفة الاقتصادية لإصدار تلك الصحيفة العريقة.
والحقيقة، أنه على الرغم من كل العقبات، فإن جريدة الأهرام، تستطيع الاستمرار في الصدور، ما دام أن المؤسسة، يمكنها أن تتحمل تكلفة الإصدار، وهو ما يطرح أيضًا، ضرورة وضع خطة لضمان استمرارها، ليس فقط من باب الاستمرار في الصدور، ولكن لأنه ما زال هناك قراء، يحرصون على الحصول على النسخة الورقية من ذلك الإصدار العريق، وهو ما من شأنه أن يقدم إجابة على السؤال الذي ما زال يطرحه الجميع عن مستقبل الصحف الورقية، هل تستمر أم تندثر؟!
والحقيقة أيضًا، أن الفترة من 2009 وحتى 2013 شهدت ظهور أعداد كبيرة للمواقع الالكترونية للإصدارات الصحفية المختلفة، وهو ما أطلق عليه المشروع الإلكتروني للصحف القومية؛ إذ بدأ التحول فعلًا في العديد من الإصدارات بهدف أن تتوقف عن الصدور ورقيًا، وأن تصبح إلكترونية تمامًا، لكن ذلك لم يكن له تأثير كبير على نوع الصحافة التي يتم تقديمها، وربما كان ذلك سببه أن المسؤول عن المشروع وقتها، لم يقم بإعداد خطة قوية للتمكين الإلكتروني للصحفيين، وربما كان ذلك سببه أيضًا، أنه لم يكن صحفيًا من الأساس، وهو ما جعله كما أظن يهتم أكثر، بالجوانب التقنية والبنية التحتية الإلكترونية.
لا شك في أن الصحافة تمر بأزمة كبيرة، تتعلق في الأساس بالمحتوى، وتتعلق أيضًا بضرورة البحث عن نموذج، يعيد اهتمام القراء بالصحافة أصلًا، خاصة مع القوة الكاسحة لمواقع التواصل الاجتماعي، والتي على الرغم من ذلك، ما زالت تعاني من عدم القدرة على تقديم محتوى "رسمي"، يمكن الاعتماد عليه والتأكد من مصداقيته، وهو ما يجعل المجتمع في حاجة إلى الصحافة أيضًا، رغم ما تعانيه من أزمات.
وأخيرًا، أتمنى أن تتم دراسة وضع الصحافة في مصر بشكل أكثر عمقًا، وبصورة تتعلق بكونها صناعة محتوى في الأساس، تلك الصناعة التي تحتاج دائمًا، إلى كثيرٍ من الدراسة والتطوير.
وأظن أنه على الرغم من كل التطورات التقنية، وغزو السوشيال ميديا، أن الصحافة الورقية ستستمر، وأنها ربما ستعود مرة أخرى إلى الصدارة، على الرغم من طغيان التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ذلك أنه سيظل هناك دائمًا قراء، يرغبون في الحصول على بعض من الأخبار والمواد الصحفية في صحيفة ورقية، يقرأونها في هدوء بعيدًأ عن صخب التكنولوجيا، وصراخ السوشيال ميديا.