البث المباشر الراديو 9090
أيمن عدلي
في زمن تسيطر عليه السرعة والترندات العابرة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة جديدة للفنانين الكبار الذين أمضوا عقودًا في إثراء السينما، والمسرح، والتلفزيون المصري بأعمال خلدت في ذاكرة الأمة.

ولكن المفارقة المؤلمة اليوم؛ هي رؤية هؤلاء الفنّانين - الذين كانوا أيقونات للجمال والإبداع - يلجأون إلى التسول الإلكتروني عبر فيديوهات مؤثرة، أو منشورات يطلبون فيها فرص عمل بسيطة تكفيهم لقوت يومهم! هذه الصورة ليست فقط مأساة إنسانية؛ بل هي أيضًا، تشويه لصورة مصر التي كانت دائمًا راعية للفن والإبداع، وحاضنة للقوة الناعمة التي صدرت الثقافة المصرية إلى العالم.

ففي الوقت الذي نرى فيه فنّانين كبارًا يُهمَلون، تفتح الأبواب على مصراعيها أمام "تيك توكرز"، ومشاهير السوشيال ميديا، عديمي الخبرة الفنية، والذين يقتحمون في الأعمال الدرامية؛ بغرض تحقيق نسب مشاهدة عالية، أو استغلال الترندات العابرةّ .. هذا التحوّل ليس فقط، ظلمًا للفنانين المخضرمين؛ بل هو أيضًا، تهديد لجودة الفن المصري الذي كان دائمًا مرادفًا للتميز والإتقان.

الفنانون الكبار هم ذاكرة الوطن الفنية، وهم من صنعوا أمجادًا درامية، وغنائية، وسينمائية ما تزال تُدر عائدات مالية، وتُحفز السياحة الثقافية حتى اليوم. إهمالهم يعني خسارة جزءٍ من هويتنا الثقافية، وتجاهل دورهم يعني التخلي عن إرث فني عريقٍ يستحق الحماية والتكريم!

لذلك؛ ندعو الجهات المعنية - سواءً الحكومية أو الخاصة - إلى التحرّك العاجل لإنقاذ هؤلاء الفنّانين من براثن النسيان، والفقر، وأقترح أنه يمكن إنشاء صندوق دعم خاص للفنانين كبار السن، أو إطلاق مبادرات توفر لهم فرص عمل مناسبة في الأعمال الفنية التي تليق بمكانتهم، كما يجب إعادة النظر في سياسات الإنتاج الفني؛ بحيث تُعطى الأولوية للكفاءة والخبرة بدلًا من البحث عن الشهرة السريعة.

فـ مصر التي أعطت العالم أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وفاتن حمامة، ويوسف شاهين، لا يمكن أن تسمح بأن يصبح فنانوها العظام أضحوكة، أو شحاذين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث إن الاهتمام بهم - ليس فقط واجبًا إنسانيًا - بل هو أيضًا، ضرورة للحفاظ على صورة مصر كدولة تحترم إرثها وتقدر مبدعيها.

لنعمل معًا على إعادة الاعتبار للفنانين الكبار، ولنحافظ على القوة الناعمة التي جعلت من مصر قبلة للفن والثقافة في العالم؛ لأن الفن ليس مجرد تسلية؛ بل هو روح الأمة، وهُويتها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز