البث المباشر الراديو 9090
محمود الروبي
هل جربت يومًا أن تستيقظ صباحًا وأنت غريب عن نفسك؟ أن تتساءل بينك وبين ذاتك: “من أنا؟ ولماذا أشعر بهذا الثقل الجاثم على صدري؟” أن تنظر في المرآة فلا ترى سوى ملامح باهتة، تشبهك ولا تشبهك؟

المرض النفسي ليس نقيضًا للعقل، وليس ضربًا من الجنون كما يتوهم العابرون على أعتابه. إنه اضطراب في التوازن، زلزال خفي يضرب النفس في مقتل، يربك الروح، ويترك صاحبها يتخبط في عوالم من الوهم، أو العزلة، أو الخوف الذي لا تفسير له.

تخيّل أنك في سجن بلا قضبان، سجن من أفكارك، من مخاوفك، من نوبات الذعر التي تنقض عليك بلا إنذار. أن تكون محبوسًا داخل دماغك، حيث كل زاوية فيه تردد صدى أصوات لا يسمعها سواك، أو أن تسقط في بئر الاكتئاب، حيث الظلام دامس حتى وأنت في منتصف النهار، حيث الحياة نفسها تبدو بلا معنى، بلا لون، بلا رجاء.

تخيل أن دماغك، ذلك العضو العجيب الذي يمنحك الوعي، يصبح فجأة خصمك اللدود. أن يختل كيمياؤه، فتنهال عليك مشاعر العجز فلا تسطيع الحركة رغم أنك لو ذهبت لأى طبيب سيقسم لك أنك سليم معافى!، أو الهوس فتصبح مسرفاً فى كل شئ، لديك طاقة هائلة ونشاط غير مبرر فلا حاجة للنوم وثقة مفرطة تجعلك تسقط فى بئر الفشل، والأخطر تصرفات غير محسوبة وخطيرة فتارة تدين مفرط، وبعد دقائق قد تصل إلى حد الإلحاد وسعادة مفرطة تنقلب إلى اكتئاب حاد، وخوف شديد ثم طمأنينة غير عادية كل ذلك يمكن أن يحدث فى دقائق كأنك راكب في عربة جامحة فقدت مكابحها، فلا أنت تسطيع القيادة، ولا حتى تدرك أنك لا تسطيع، وعندما تدرك قد تكون وصلت إلى مراحل متأخرة ودمرت خلفك الكثير من الأشياء التى قد لا تعود.

كم مرة مررنا بجوار شخص مريض نفسيًا ولم نراه؟ كم مرة سخرنا، أو اتهمنا، أو تجاهلنا ألمًا لا يُرى بالعين؟! لو أن المرض النفسي كان جرحًا نازفًا، لرأفنا بأصحابه، ولو كان عجزًا في الأطراف، لحملناهم على الأكتاف، لكنه مرض يختبئ خلف الجبين المتجهم، والعيون الزائغة، والابتسامات المكسورة، ولا يقف عند حد تصورنا فهو ليس مجرد القلق العادى أو الحزن الطبيعى بل يصل إلى التحكم فى العقل وفقد السيطرة عليه إذا لم يتم التعامل معه مبكراً.

لا أحد منا في مأمن، العقل والنفس مثل عجلة تدور، ولا شيء يضمن لنا ألا نكون في موضع المختلّين يومًا ما، لحظة واحدة، صدمة واحدة، أو حتى خلل في كيمياء الجسد، كفيلة بأن تسحبنا إلى حيث لا نتصور، هل نحن واثقون حقًا من اتزاننا؟! أم أننا مجرد ناجين مؤقتين من عواصف الحياة؟!

لننظر إلى المرضى النفسيين كما نرى أنفسنا في لحظات ضعفنا، ولندرك أنهم لا يحتاجون إلى ازدراء أو تجاهل، بل إلى فهم وعلاج ورحمة.

إن الأمراض النفسية ليست عيبًا ولا وصمة، بل هي كالمرض الجسدي، تحتاج إلى تشخيص وعلاج، لا إلى سخرية أو إنكار، ولو كشفنا على كل من حولنا، لوجدنا نسبة كبيرة مؤهلة للإصابة، ونسبة أخرى مريضة بالفعل لكنها لا تعلم.

لهذا، علينا أن نقرأ، أن نبحث، أن نفهم هذه الاضطرابات كما نفهم الأمراض الجسدية، لأن الجهل بها يزيد من انتشارها، ولأن الوقاية تبدأ من الإدراك.

قد لا يكون العقل دائمًا في صفنا، لكنه حتمًا يستحق أن نفهمه قبل أن نخسره! فما أصعب أن يكون العدو كامناً في داخلك، وما أقسى أن تطلب النجدة ولا يسمعك أحد!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز